توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«لام شمسية»... حين تخجلُ الشمسُ

  مصر اليوم -

«لام شمسية» حين تخجلُ الشمسُ

بقلم: فاطمة ناعوت

اللغةُ مرآةُ الضمير، والشمسُ لا تخطئ طريقَها، لكنها قد تتوارى خجلًا حين تكونُ شاهدةً على فصول من الإعتام الإنسانى والتقزّم الروحى. كيف يشرق النورُ فوق أمكنة يُخدشُ فيها الطُهرُ، وتنكسرُ أحلامُ الطفولة تحت معاول القُساة؟! فى مسلسل «لام شمسية»، نرى كيف تنطفئ الشمسُ فى عيون الصغار حين تُغتالُ براءتهم، فى صمتٍ بارد، تحت سُقفٍ يُفترضُ أنه آمنٌ!. بدايةً، تحيةَ احترام للعنوان العبقرى الذى يحمل طبقات من الرموز والدلالات؛ توجز مأساة «المسكوت عنه» مما يحدث بين ظهرانينا ولا ننطق به خجلا أو جُبنًا وربما تواطئًا، مثلما نكتبُ اللام الشمسية ولا ننطقها.

مسلسل «لام شمسية»، تأليف المبدعة «مريم نعوم» وإخراج «كريم الشناوى»، يقتفى أثر ظلٍّ ثقيل يجثم فوق صدر الطفولة، وكأن الأبجدية تُعلن احتجاجها على اختلاط الحروف النورانية بالخطايا والدنايا مثل جريمة «التحرش بالأطفال». «لامٌ شمسية»، لكنها لا تضىء كشمس، بل تستتر وتتخفّى، مثلما تختبئ الخطيئةُ وراء أبوابٍ موصدة، وقوانينَ لا تنجح فى القصاص من الخُطاة، إلا إذا حررنا صمتَ «اللام الشمسية» لتصرخَ فى وجه وحشٍ لا يستحى من افتراس الصغار.

أكثرُ ما يميّز المسلسل أنه لا يتحدثُ عن الضحية والجانى، بل عن المجتمع ككل. مَن يصنعُ المُجرم، ومَن ييسّر له الاستمرار فى جُرمه؟ هل نصوّب السهم إلى المنحرف فحسب، أم نختصمُ ثقافةً خجولا تُبرر الصمتَ وتُعلِّمُ الأطفالَ أن «الفضيحة» أسوأُ من الجرم؟ المسلسلُ الجسور يضعُ الجميع أمام مسؤولياتهم: الأهل، المُعلمين، القانون، القُضاة، المحامون، والضمير المجتمعى. جرسُ إنذارٍ زاعقٌ يستحيلُ تجاهله، حتى فى مجتمع يُفضِّل الصمت على المواجهة، غافلا عن أن صمته لا يُنجّى المجرمَ وحسب، بل قد يصنع من الضحايا الصغار جُناة مستقبليين.

هذا المسلسل اختبارٌ للضمير المجتمعى «الانتقائى» الذى كثيرًا ما يختارُ الصراخَ فى وجه قضايا تافهة، ويغضُّ الطرف عن كوارثَ مريعة. يعلمنا المسلسلُ أن الصمت ليس خيارًا حين يدنو الأذى من صغارنا. إنها «مرآة ميدوزا» نُطالع على صفحتها خيباتنا وتداعياتها المستقبلية، دون وعظ فجّ، ولا استغلال للتيمة الشائكة من أجل الإثارة الجوفاء، بل جاء السرد الواقعى «المُورِّط» ليجعل المشاهِدَ شريكًا فى القصة، ومسؤولا عن تغيير الواقع المتخاذل ومواجهة تلك الظاهرة المخيفة. المسلسلُ يقتربُ من «التابو» المُحرَّم، لكنه لا يُقدمهُ كحكاية مأساوية مجردة، بل كناقوس خطرٍ يُحتِّم علينا الصحوَ قبل أن يصبح صغارنا ضحايا الصمت والتواطؤ.

التحرش بالأطفال ليس مجرد «حدث» قاسٍ فى دراما تلفزيونية، نشاهدها ونتألم لها، ثم ننساها، بل هو لعنةٌ عالقةُ فى هواءٍ نلوّثه بصمتنا. تأتى الحكاية لتُحرِّك المياه الراكدة، وتنكأ البقعة المظلمة فى وعينا؛ فتُرينا كيف يذوى الطفلُ حين يفقد الشعور الأمان، وكيف تتشقق روحُه مثل زجاج نافذة تُرمى بالحجارة فيتصدّعُ ببطء، ولا يبقى منه إلا شظايا تجرح كل مَن يحاول ترميمها.

لا يُمكن الحديث عن «لام شمسية» دون التطرق إلى الواقع القانونى والاجتماعى. فى عالمنا العربى، يظل التحرش بالأطفال قضية يُفضل البعض دفنها تحت ركام العيب والفضيحة، بدلًا من مواجهتها. وحين يتحرك القانونُ تظلُّ صعوباتُ إثبات الجريمة حائلا دون إتمام القصاص. لهذا يجب تثقيف الأطفال بالوعى بقداسة أجسادهم وخصوصيتها، لوأد الجريمة قبل وقوعها.

المجتمع فى «لام شمسية» ليس مجرد مشهد خلفى، بل هو شخصية حاضرة بكامل ثقافتها ووعيها إن واجهت القبح، أو غفلتها وجهلها إن صمتت وأغمضت عينيها عن الظلم وغلّفته بوهم الحفاظ على «السمعة». فى المسلسل، يتحول الصمتُ إلى شريك فى الجريمة، لأنه يعمق معاناة الأطفال الضحايا ويقيد تحركاتهم فى محاولة للهروب من جدران الخوف. ولكن مع كل صمت، يظهر دائمًا بصيص من الضوء، يتمثل فى أولئك الذين لا يستسلمون للخوف، ويواجهون.

تحية احترام لضيف الشرف، الفنان العظيم «كمال أبو رية» لأدائه المدهش دور القاضى بوجهه العابس من هول ما بين يديه من أوراق ووقائع تضرب فى صميم الكرامة الإنسانية، ورِقته فى التعامل مع الطفل، وتهذبه الحاسم فى التعامل مع الحضور والصحافة حين يطالبهم بإخلاء القاعة، وإنصاته لآراء مستشارى الميمنة والميسرة فى غرفة المداولة قبل نطقه بالحكم. تحية احترام للطفل «على البيلى» بطل العمل لأدائه المضبوط على ميزان الذهب، والرائع «محمد شاهين» الذى كان «صمتُه ونظراتُه وابتساماتُه المبتورةُ وتعبيراتُ وجهه» أبطالا إضافيين فى شخصيته المركّبة، وللقديرة «صفاء الطوخى» التى تصارع داخلها الضميرُ والأمومة، وجميع أبطال المسلسل الجميل. شكرًا للموسيقى التصويرية التى جاءت كصوتٍ خافتٍ يتسللُ إلى الوعى، فلا تُزعج، بل تُوجع. وشكرًا للإضاءة، والظلال التى كانت جزءًا من اللعبة البصرية؛ حيث درجاتُ الرمادى العَبوس، مثل عبوس أطفال فقدوا إحساسهم بالأمان، والإعتام الموغل كأنما الشمسُ فقدت قدرتها على الكلام كما «لام شمسية» خرساء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«لام شمسية» حين تخجلُ الشمسُ «لام شمسية» حين تخجلُ الشمسُ



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt