بقلم: فاطمة ناعوت
همس لى صديقى: «عشان كده مش عاوز أعيش كتير عشان ماوصلش للمرحلة دى. أبى انهار جسديًّا وظلّت ذاكرته جيدة. والدتى ذاكرتُها انهارت وظلت سليمة بدنيًّا. الكارثة الكبرى حين يجتمع الانهياران معًا، على جسد واحد»
كنا نشاهدُ «فجأة» أحد أفلام «مهرجان الجونة السينمائى الدولى» فى دورته التاسعة. نتأمل المسنين فى عذاباتهم مع انهيار الجسد، والذاكرة التى أذابها ألزهايمر. الفيلم من إخراج اليابانى «ريوسوكى هاماجوتشى»، وتدور أحداثه فى إحدى دور رعاية المسنين بأطراف فرنسا. ثلاث ساعات ونصف الساعة، خِلتُها أول الأمر إطالةً تُثقل الإيقاع وتُبطئ تدفق الأحداث. ثم أدركتُ أن البطء هو جوهر الرسالة. فرعاية المُسِنّ، كما رعاية الطفل، فعلٌ بطىء مُتروٍّ بطبعه. ومن يود تعلّمها لا يكفيه السمع، بل عليه المشاهدة والمعايشة والصبر.
على هامش رسائل الفيلم درسٌ أخلاقى فى إنسانية التعامل مع المسنّ حتى نحفظ كرامته. لابد أن تنظر فى عينَيه لتطمئنه، ثم تلمس كتفيه، وهما أقلّ مواضع الجسد حساسية، فلا يرتاع. وإن اختفيتَ عن مجال بصره، ووقفت وراءه، لا تصمت، بل تحدّث إليه ليعرف أنك هنا. ودائمًا اشرح له ما تفعله له من إطعام أو تحميم أو إعطاء دواء. فمن ضاعت ذاكرتُه لا يعود يعرف هذا العالم الجديد، ومن وَهَن جسدُه يخاف ويرتعب. وعلينا أن نخفت صوت الخوف فى أعماقه بأن نعامله بوداعة وحذر.
هكذا كانت تفعل «مارى لو» مديرة دار «حديقة الحرية» لرعاية المسنين. كانت فلسفتها تقضى بألا تختزلهم فى أجساد واهنة، وذاكرات معطّلة، وعيون حائرة خائفة، بل تنظر إليهم كبشر كرام مازالوا يستحقون أن يُروا ويُسمعوا ويُوقّروا مثلما كانوا فى عنفوان شبابهم. هناك، لا تكون الرعاية خدمة مدفوعة الأجر، بل موقفًا فلسفيًا من الإنسان: كيف نقترب ممن لم يعد قادرًا على الشكوى؟ وكيف نصون كرامة من يحتاج إلى يد لكى ينهض أو يتحمم، وكيف نؤنس وحدة مَن يتوق إلى صوت هادئ كى يطمئن؟ ثم حدث ودخلت الدار مخرجة يابانية شابة مصابة بالسرطان فى المرحلة الرابعة، لتقدّم عرضًا مسرحيًّا من إخراجها عنوانه «من القرب، لا أحد سليم» Up Close، No One Is Normal يدعو لتحطيم الحواجز بين البشر، لأن جميعنا، نحن البشر، معطوبون. استلهمت المخرجةُ مسرحيتها من فلسفة الطبيب النفسى الإيطالى «فرانكو باساليا»، الذى ناضل لإنهاء نظام المصحات النفسية المغلقة فى إيطاليا، حيث كان المرضى يُعزلون عن المجتمع فى ظروف تشبه السجون. قام بتمثيل المونودراما الممثل اليابانى «جورو». وفى منتصف العرض، اقتحم القاعة حفيده المتوحد وبدأ فى إصدار أصوات مزعجة. لم يوقفه الجدُّ، ولا طلب منه المغادرة حتى يُكمل دوره، بل تعامل معه، خروجًا عن النص، وأدخله فى المسرحية كأنه جزء منها. فأكد فلسفة الدمج بدلا من الإقصاء.
تنشأ صداقة حميمة بين مديرة الدار الفرنسية، والمخرجة اليابانية. ولا يمثل اختلاف اللغة والثقافات حاجزًا بينهما. وتتعلم الفرنسية من صديقتها أن الحنو وعناق المرضى يخفف آلامهم. التلامس لن يعالج السرطان، ولن يمحو الشيخوخة، ولن يعيد الذاكرة، أو يعالج التوحد، لكنه يمنح المأزومين مذاقًا ألطف للحياة فيما تبقى لهم من سنوات أو أيام.
وجاء المشهد العمدة فى الفيلم؛ حيث استلقى المسنون على عشب الحديقة وراحوا يمسحون على رؤوس بعضهم البعض ويدلكون أقدام بعضهم البعض. اللمس المتبادل بين المسنين والمرضى لم تكن مجرد لحظة تعاطف، بل فعل مقاومة ضد قسوة العالم، منح المختلف شعورًا بالأمان، ورد إلى المسن إحساسه بأنه مازال جزءًا من العالم، لا بقايا حياة تنتظر النهاية.
رسمت المخرجة دائرة المركز الصغيرة، حيث الموسرون وأصحاب النفوذ الرأسمالى فى العالم، وخارجها دوائرُ الهوامش الكبرى، حيث العمالة الفقيرة والمرضى والمسنين، ثم دائرة الطبيعة. وشرحت كيف يستغلُ المركزُ الهامشَ ليزداد رغدًا، ويزداد الهامشُ هوانًا وعوزًا. وهكذا تتعارض الرأسمالية مع الديمقراطية التى تنادى بالعدالة، وتتغير ديموغرافية العالم. وينطبق الحال على الإنسان. فأولئك المسنون كانوا فى المركز يومًا. فمنهم الطيار والمدير والمعلمة وراقصة الباليه والسفير. فى غرفة كل مسن صورة له أو لها، معلقة على الحائط فى أوج أمجادهم الغابرة.
اسم الفيلم، «فجأةً» All of a Sudden، يحمل رسالة الفيلم. فالانهيار الصحى يأتى فجأةً، والسقوط من المركز للهامش يحدث فجأة. لكن الوحدة تتراكم ببطء، كلما أمعنا فى معاملة الإنسان، فى مرحلة هامشه، كملفٍّ طبى أو رقم فى ميزانية أو عبء ننتظر التخلص منه. ثم يأتى الحب «فجأةً» كذلك، ليكشف لنا أن بابًا مغلقًا فى داخلنا، فقط يحتاج إلى شخص يطرقه.
مقامُ الاحترام:
تحية احترام لمهرجان الجونة السينمائى الدولى الذى يرفعُ شعار: «سينما من أجل الإنسانية»، فلا ينتخبُ إلا الأفلام التى تجعلنا نتوق إلى العودة إلى إنسانيتنا.