توقيت القاهرة المحلي 11:06:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أنا... «أمٌّ مثالية»... لابنٍ مثالي

  مصر اليوم -

أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي

بقلم: فاطمة ناعوت

غمرنى الفرحُ حين اختارنى «مجلسُ الشباب المصرى»، و«منتدى القيادات النسائية» أمًّا مثالية لعام 2025، ضمن جميلاتٍ استحققن هذا اللقب الرفيع. «الأمومةُ» فى ذاتها لقبٌ عظيم، وحين تُكرَمُ الأمُّ وتُكرَّمُ بأن تُهديها السماءُ طفلاً من أبناء «طيف التوّحد»، يزدادُ اللقبُ ثِقلاً وقيمةً وإشراقًا. الأمومةُ تجربةٌ مدهشة، لكن أمومةَ المتوحِّد رحلةٌ ثريةٌ حاشدةٌ بالاكتشافات المدهشة التى تفاجئُك فى كل دقيقة من كل ساعة من كل يوم. أن تكون أمًّا لطفلٍ على «طيف التوحد»، يعنى أن تعيش حياةً غير عادية، تعيدُ فيها اكتشافَ الأشياء البسيطة وكأنك تراها لأول مرة. أن تحتفل بكلمة، وتبتهج لابتسامة تجعلُ الشمسَ تشرقُ فى قلبك. يعنى أن تصبح مترجمًا لعالمٍ مختلف، تفهم لغتَه التى لا يفهمها الآخرون، وتحفظ خريطة مشاعره التى لا يراها سواك.

لم أخترِ ابنى، لكن لو قِيدَ لى الاختيارُ ما اخترتُ إلا هذا المدهش «عمر». لو خُيّرتُ بين أمومتك وبين كنوز الأرض، لاخترتُك أنت يا «عمر». لم أختركَ، بل أنتَ مَن اختارنى من عالم الغيب، كما قال أحدُ العارفين: إن أطفال «طيف التوحد» ينتقون أمهاتِهم ليكنَّ رفيقاتِ الرحلة الشاقّة الشيقة، ليضعوا أياديهم الصغيرة فى أيادى أمهات جسورات قادرات على نسج الابتسامة من خيوط الدمع، واختراع الأمل من مادة القنوط، وانتزاع الفرح من جسد الوجع. فكيف وقعَ اختيارُك عليَّ يا «عمر»؟ أىّ سرٍّ دفعك لاختيارى، وأى نورٍ أبصرتْه روحُك فى روحى لتضع يدك فى يدى، وتُسلّمنى مفاتيحَ عالمك المُدهش؟ ذاك العالمُ البعيدُ عن صخبِ البشر، القريبُ من موسيقى السّماء.

لو قِيدَ لى أن أعودَ إلى اللحظةِ الأولى، إلى حيثُ كنتُ روحًا تتجوّلُ فى المدى، وسُئلتُ: أىّ الأقدارِ تهوين؟ لقلتُ: “أختارُ أن يكون قدرى مشبوكًا بقَدر هذا الصغير الجميل الذى علّمنى ما فاتنى أن أتعلّمه على مقاعد الدرس. علّمنى أن الصمتَ لغةٌ، والعُزلةَ زحامٌ، وأن لمسةً من يد ذاك الصامتِ المنعزلِ على يدى حين أبكى، تُحوّل الحزَنَ إلى ابتسام، وتُذيبُ قساوةَ الحياة على باب الرجاء فى وجه الرحمن.

يا بُنى، عليك أن تعلم أنك هديةُ الله لى، اصطفانى بها لئلا يتوقف لسانى عن شكره. وإن كان التكريمُ شهادةً تُمنَح، فقد منحتَنى أعظمَها. وإن كان الفخرُ تاجًا يُرصّع الجبين، فقد توّجتَنى منذ أن نطقتَ اسمى بعينيكَ قبل شفتيك. وإن كانت الأمومةُ رحلة، فأنا الرّاحلةُ فى بحركَ الهادئ، وواديك الصموت، أتعلمُ منك كلَّ يومٍ ألفَ درسٍ من دروس الجمال، غير مسطورة فى موسوعات الدنيا. فى كتابَيَّ اللذين كتبتُهما عن تجربتى مع ابنى: «عمر... من الشرنقة إلى الطيران»، «عمر... بيتٌ من المكعبات فى مدينة الملائكة»، بابٌ عنوانه: «ماذا تعلّمتُ من عمر»، يزخرُ ببعض تلك الدروس التى لو أفردتُ لها صحافَ الأرض، ما وسعتها.

شكرًا للدكتور «محمد ممدوح»، وشكرًا للدكتورة «أمانى البدرى» على اختيارى ومنحى درع «الأم المثالية». وشكرًا للسفيرة الراقية «مشيرة خطّاب» التى شرّفت الحفل مع الأمهات الجميلات من فلسطين وأفريقيا اللواتى أشرقن كالشموس فى مقر «مجلس الشباب المصرى» أمس الأول فى احتفالية «الأم المثالية لعام ٢٠٢٥». وشكرًا لابنى الجميل «عمر» الذى منحنى شرفَ أمومته. والشكر كله لله على هذه النعمة الغالية.

***

(إلى عُمر)

أتوبيسُ المدرسة الذى لم تستقلّه، يهمسُ لى بأنه حزينٌ، يفتقدُ صخبَك ونداءاتِك على الصحاب لحظةَ العودة إلى البيت. مقعدُك فى المدرسة الذى لم تشغله أبدًا، أخبرنى بأنه ظلَّ يخترعُ الحيلةَ تلو الأخرى حتى يظلَّ شاغرًا فى انتظارك عامًا بعد عام، يأبى أن يُجلسَ عليه تلميذًا غيرَك. الكراساتُ والكتبُ المدرسيةُ والأقلامُ والبرجلُ والمنقلةُ والمسطرةُ والمثلثُ والممحاةُ التى لم تعرف طريقَها إلى حقيبتِك، وحقيبتُك التى لم نشترها لك من محل الحقائب المدرسية، والزىُّ المدرسىُّ الذى لم يلامس جسدَك إلا عامًا وبعضَ عام، والفصولُ التى لم تدخلها إلا قليلًا، وروبُ الجامعة والقبّعة التى لم ترفعها فى نشوة لتلقيَها فى الهواء مع قبعاتِ الصحاب يومَ التخرج.

ابنةُ الجيران التى لم تقف فى شرفتها تختلسُ النظرَ إليكَ، ولم تلقِ لها قصائدَ وورودًا فى مشابك الغسيل، جميعُها حزينةٌ، تفتقدُ حضورك وتبكى خساراتِها وضيعتَها؛ كحزن أمٍّ ظلَّ الدمعُ يطفرُ من عينيها كلَّ مساء، وتمزقت أوتارُ أصابعها وهى تعدُّ المساءاتِ الطويلةَ التى ما أشرقت فيها شمسٌ، ولا طلَّ قمرٌ، وما جرى ماءٌ فى نهر، ولا زادَ البناءُ عُلوًّا، وما ازداد المعجمُ حروفًا ولا كلماتٍ إلا بقدر ما تقطرُ غيمةٌ بخيلةٌ على صخرةٍ جافة؛ قطرةً نحيلةً كلَّ عام. لكن ابتسامتَك الرائقةَ وأنت تقولُ: «بحبك يا ماما»، تعادلُ الكونَ وما فيه، وتُطلق ملايين العصافير من أعشاشها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt