توقيت القاهرة المحلي 09:23:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أنا... «أمٌّ مثالية»... لابنٍ مثالي

  مصر اليوم -

أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي

بقلم: فاطمة ناعوت

غمرنى الفرحُ حين اختارنى «مجلسُ الشباب المصرى»، و«منتدى القيادات النسائية» أمًّا مثالية لعام 2025، ضمن جميلاتٍ استحققن هذا اللقب الرفيع. «الأمومةُ» فى ذاتها لقبٌ عظيم، وحين تُكرَمُ الأمُّ وتُكرَّمُ بأن تُهديها السماءُ طفلاً من أبناء «طيف التوّحد»، يزدادُ اللقبُ ثِقلاً وقيمةً وإشراقًا. الأمومةُ تجربةٌ مدهشة، لكن أمومةَ المتوحِّد رحلةٌ ثريةٌ حاشدةٌ بالاكتشافات المدهشة التى تفاجئُك فى كل دقيقة من كل ساعة من كل يوم. أن تكون أمًّا لطفلٍ على «طيف التوحد»، يعنى أن تعيش حياةً غير عادية، تعيدُ فيها اكتشافَ الأشياء البسيطة وكأنك تراها لأول مرة. أن تحتفل بكلمة، وتبتهج لابتسامة تجعلُ الشمسَ تشرقُ فى قلبك. يعنى أن تصبح مترجمًا لعالمٍ مختلف، تفهم لغتَه التى لا يفهمها الآخرون، وتحفظ خريطة مشاعره التى لا يراها سواك.

لم أخترِ ابنى، لكن لو قِيدَ لى الاختيارُ ما اخترتُ إلا هذا المدهش «عمر». لو خُيّرتُ بين أمومتك وبين كنوز الأرض، لاخترتُك أنت يا «عمر». لم أختركَ، بل أنتَ مَن اختارنى من عالم الغيب، كما قال أحدُ العارفين: إن أطفال «طيف التوحد» ينتقون أمهاتِهم ليكنَّ رفيقاتِ الرحلة الشاقّة الشيقة، ليضعوا أياديهم الصغيرة فى أيادى أمهات جسورات قادرات على نسج الابتسامة من خيوط الدمع، واختراع الأمل من مادة القنوط، وانتزاع الفرح من جسد الوجع. فكيف وقعَ اختيارُك عليَّ يا «عمر»؟ أىّ سرٍّ دفعك لاختيارى، وأى نورٍ أبصرتْه روحُك فى روحى لتضع يدك فى يدى، وتُسلّمنى مفاتيحَ عالمك المُدهش؟ ذاك العالمُ البعيدُ عن صخبِ البشر، القريبُ من موسيقى السّماء.

لو قِيدَ لى أن أعودَ إلى اللحظةِ الأولى، إلى حيثُ كنتُ روحًا تتجوّلُ فى المدى، وسُئلتُ: أىّ الأقدارِ تهوين؟ لقلتُ: “أختارُ أن يكون قدرى مشبوكًا بقَدر هذا الصغير الجميل الذى علّمنى ما فاتنى أن أتعلّمه على مقاعد الدرس. علّمنى أن الصمتَ لغةٌ، والعُزلةَ زحامٌ، وأن لمسةً من يد ذاك الصامتِ المنعزلِ على يدى حين أبكى، تُحوّل الحزَنَ إلى ابتسام، وتُذيبُ قساوةَ الحياة على باب الرجاء فى وجه الرحمن.

يا بُنى، عليك أن تعلم أنك هديةُ الله لى، اصطفانى بها لئلا يتوقف لسانى عن شكره. وإن كان التكريمُ شهادةً تُمنَح، فقد منحتَنى أعظمَها. وإن كان الفخرُ تاجًا يُرصّع الجبين، فقد توّجتَنى منذ أن نطقتَ اسمى بعينيكَ قبل شفتيك. وإن كانت الأمومةُ رحلة، فأنا الرّاحلةُ فى بحركَ الهادئ، وواديك الصموت، أتعلمُ منك كلَّ يومٍ ألفَ درسٍ من دروس الجمال، غير مسطورة فى موسوعات الدنيا. فى كتابَيَّ اللذين كتبتُهما عن تجربتى مع ابنى: «عمر... من الشرنقة إلى الطيران»، «عمر... بيتٌ من المكعبات فى مدينة الملائكة»، بابٌ عنوانه: «ماذا تعلّمتُ من عمر»، يزخرُ ببعض تلك الدروس التى لو أفردتُ لها صحافَ الأرض، ما وسعتها.

شكرًا للدكتور «محمد ممدوح»، وشكرًا للدكتورة «أمانى البدرى» على اختيارى ومنحى درع «الأم المثالية». وشكرًا للسفيرة الراقية «مشيرة خطّاب» التى شرّفت الحفل مع الأمهات الجميلات من فلسطين وأفريقيا اللواتى أشرقن كالشموس فى مقر «مجلس الشباب المصرى» أمس الأول فى احتفالية «الأم المثالية لعام ٢٠٢٥». وشكرًا لابنى الجميل «عمر» الذى منحنى شرفَ أمومته. والشكر كله لله على هذه النعمة الغالية.

***

(إلى عُمر)

أتوبيسُ المدرسة الذى لم تستقلّه، يهمسُ لى بأنه حزينٌ، يفتقدُ صخبَك ونداءاتِك على الصحاب لحظةَ العودة إلى البيت. مقعدُك فى المدرسة الذى لم تشغله أبدًا، أخبرنى بأنه ظلَّ يخترعُ الحيلةَ تلو الأخرى حتى يظلَّ شاغرًا فى انتظارك عامًا بعد عام، يأبى أن يُجلسَ عليه تلميذًا غيرَك. الكراساتُ والكتبُ المدرسيةُ والأقلامُ والبرجلُ والمنقلةُ والمسطرةُ والمثلثُ والممحاةُ التى لم تعرف طريقَها إلى حقيبتِك، وحقيبتُك التى لم نشترها لك من محل الحقائب المدرسية، والزىُّ المدرسىُّ الذى لم يلامس جسدَك إلا عامًا وبعضَ عام، والفصولُ التى لم تدخلها إلا قليلًا، وروبُ الجامعة والقبّعة التى لم ترفعها فى نشوة لتلقيَها فى الهواء مع قبعاتِ الصحاب يومَ التخرج.

ابنةُ الجيران التى لم تقف فى شرفتها تختلسُ النظرَ إليكَ، ولم تلقِ لها قصائدَ وورودًا فى مشابك الغسيل، جميعُها حزينةٌ، تفتقدُ حضورك وتبكى خساراتِها وضيعتَها؛ كحزن أمٍّ ظلَّ الدمعُ يطفرُ من عينيها كلَّ مساء، وتمزقت أوتارُ أصابعها وهى تعدُّ المساءاتِ الطويلةَ التى ما أشرقت فيها شمسٌ، ولا طلَّ قمرٌ، وما جرى ماءٌ فى نهر، ولا زادَ البناءُ عُلوًّا، وما ازداد المعجمُ حروفًا ولا كلماتٍ إلا بقدر ما تقطرُ غيمةٌ بخيلةٌ على صخرةٍ جافة؛ قطرةً نحيلةً كلَّ عام. لكن ابتسامتَك الرائقةَ وأنت تقولُ: «بحبك يا ماما»، تعادلُ الكونَ وما فيه، وتُطلق ملايين العصافير من أعشاشها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي أنا «أمٌّ مثالية» لابنٍ مثالي



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt