توقيت القاهرة المحلي 13:01:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فى «عيد الأب»... أقدّمُ لكم أبى

  مصر اليوم -

فى «عيد الأب» أقدّمُ لكم أبى

بقلم: فاطمة ناعوت

الأحدُ الثالث من شهر يونيو، يحتفلُ العالمُ بـ«عيد الأب». وهو عيدٌ خجول، يمرُّ على أطراف أصابعه، يكادُ لا يذكره أحدٌ، على عكس «عيد الأم» ذائع الصيت. لكننى من القِلّة الذين يتذكّرون هذا العيدَ المنسى ويحتفلون به؛ لأن لى أبًا استثنائيًّا غرسَ فىّ نبتةَ الحبّ التى لا تذوى. علّمنى أبى أن حبَّ الله رهينٌ بحبّ خلق الله. وأن الانتصارَ لحقّ المظلوم آيةٌ من آياتِ الله العليا، لأنه تعالى حرّم الظلمَ على نفسه، وجعله بيننا محرّمًا؛ كما فى الحديث القُدسى.

إنه أبى المتصوفُ الذى علّمَ طفولتى أن أحبَّ جميع الناس دون سبب ودون تمييز؛ لأن كراهية أى إنسان مختلفٍ فى الدين أو الطبقة أو العِرق ينمُّ عن فقرٍ فى الوعى والأخلاق والإيمان بالله. كنتُ أراه يختصمُ، ولا يكره. يختلفُ فى الرأى، ولا يلعن. يساجلُ خصومَه فكريًّا، ولا يدعو على أحد بالموت والويل والعذاب. وعلّمنى أن أدعو بشفاء كل مرضى الدنيا. وإن رحل شخصٌ كنتُ أسمعه يهمس: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم ارحم موتى العالمين»، والعالمين هم كل ما خلق اللهُ وسوّى.

علمنى أبى ألا أتمنى الشرَّ لأى كائنٍ حى، ولو أذانى. لأن القوةَ فى العُلوّ والنبل والغفران، لا فى التصاغر والخِسّة والانتقام. فإن مَن يكره لا يحبُّ. علمنى أن أقولَ: «سلامًا»، لمن لا يستحقُّ المجادلة، فأكون من «عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما». علمنى أن أساجل الأقوياء، لا الضعفاء والموتى. فالضِعافُ لهم المؤازرة، والموتى لهم المغفرة.

أورثنى أبى قلبًا «عاطلا» عن الكراهية، ولم أسعَ يومًا لإصلاحه. فأحمد الله أننى لم أقف يومًا مُتلبِّسةً بجُرم الدعاء على أحد بالشر، رغم ما عايشته من ظُلم، وكم ظُلمت! فقط كنتُ أدعو الله بأن يفصل بينى وبين الظالمين بكشف كيدهم، وكفِّ شرّهم. علّمنى أبى أن البغض صَغارٌ فى النفس، وأن النُبلَ هو المحبة، حتى المسيئين.

هذا أبى المتصوف الجميل الذى حفظ القرآنَ كاملا، وكان يؤذنُ للصلاة فى المسجد بصوته العذب. احترمَ، وعلّمنى أن أحترمَ، جميعَ العقائد، لأنها سعىُ إنسانىُ نبيل للبحث عن الله.

أحسن اللهُ مُقامَك يا أبى فى فردوس الله الأعلى، وشكرًا لكل ما علمتنيه من قيم نبيلة جعلتنى أحيا فى حال سلام روحى، رغم أن فاتورة محبة «جميع الناس» باهظةٌ ومُرّة. فأنْ تُحبَّ «جميعَ» الناس، يعنى أنْ يحاربَكَ «معظمُ» الناس! لكننى سأظلُّ فى درب المحبة غير المشروطة، لأن رضا الله خيرٌ من رضا البشر، وسلامَ الإنسان الداخلى أهمُّ من حُكم الناس على الناس وهم لا يعلمون. ولهذا قال الإمام «علىّ بن أبى طالب»: «لا تستوحشوا طريق الحقِّ لقلّة سالكيه». ومحبةُ الناس حقٌّ، لأن الله أحبَّ جميعَ خلقه، وهو الحق.

كان أبى الجميل يُجلسنى على ركبتيه ويقرأ لى قصصَ الأنبياء. علّمنى القرآنَ وضبطَ مخارج الحروف. وكان يعشقُ الطربَ الأصيل فيُدير جهاز تسجيل جروندج Grundig ليُشيعَ فى أرجاء البيت صوتُ «أم كلثوم» و«عبد الوهاب» و«فهد بلان» و«صباح»، أولئك عَشقهم أبى وأورثنى عِشقَهم. وكان يحبُّ القرآن بصوت العظيمين: «المنشاوى» و«عبدالباسط»، فورثتُ عنه عشقَهما. وكان يحبُّ «فؤاد المهندس، وشويكار»، ويتباهى بما لديه من ثروة قيّمة من مسرحياتهما. ويقول إننى أشبه «شويكار». وذات يوم قامت أمى بمسح جميع ما سجّل أبى من مسرحيات وأغانٍ من الأسطوانات لكى تسجّل عليها دروس الإنجليزية الذى كان «مستر وليم» يعطيها لى وشقيقى! وحين اكتشف أبى تلك «الجريمة» حزن كثيرًا، وخاصمها. لكن خصام أبى كان يذوبُ بابتسامة.

كان أبى خفيفَ الظل. حين تشترى أمى فستانًا جديدًا وتسأله رأيَه كان يقولُ ضاحكًا: «الحكاية مش السَّدّ، الحكاية القصة اللى ورا السد!»، وحين بدأ زملاء طفولتى يتنمّرون علىّ لأننى عسراءُ أو «شولة»، أى أكتبُ وآكل بيدى اليسرى، ويضحكون لأننى عاجزة عن الكتابة مثلهم باليمنى، ركضتُ إليه باكيةً، فضمّنى إلى صدرى وقال: «هذا تميّز، وليس عجزًا. كثيرٌ من العباقرة كانوا عُسرًا يكتبون باليسرى». «آينشتين، أرسطو، بيتهوڤن، نيتشه، نابليون، الإسكندر الأكبر، تشرشل، غاندى، نيوتن، مارى كورى، داڤنشى، مايكل- آنجلو، بيكاسو، كاسترو، آرم سترونج، وغيرهم، كانوا من العُسر. وأعلنت منظمةُ Mensa، التى تضمُّ أذكياءَ العالم، أن معظمَ العُسر ذوو نسبة ذكاء مرتفعة». ويقولُ العِلمُ إن چين LRRTM١ فى المخ هو المسؤول عن العَسَر، لأنه يُنشِّط فصَّ المخ الأيمن، المتحكّم فى نصف الجسد الأيسر. وهذا الفصُّ المُبدع هو ماكينةُ الخيال واللغة والرياضيات والفنون. لهذا نجد كثيرين من العُسْر، رسّامين ونحّاتين وأدباء وفيزيائيين وعلماء رياضيات. رحمك الله يا أبى الجميل وأحسن مُقامك فى عِلّيين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فى «عيد الأب» أقدّمُ لكم أبى فى «عيد الأب» أقدّمُ لكم أبى



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt