توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«دقّة قديمة»... عزفٌ على أوتار الهُويّة المصرية

  مصر اليوم -

«دقّة قديمة» عزفٌ على أوتار الهُويّة المصرية

بقلم: فاطمة ناعوت

في القرن الرابع قبل الميلاد، زار مصرَ الفيلسوفُ الإغريقى «أفلاطون» طلبًا للحكمة والمعرفة. فى بلادنا تعمّق الفيلسوفُ الأشهر فى دراسة الرياضيات والهندسة والفلك، واطّلع على أفكار قدامى المصريين حول فكرة الدولة والنظام السياسى. عزّزت تلك الزيارةُ أفكارَه حول «المدينة الفاضلة» التى تجلّت فى كتابه الأشهَر «الجمهورية». وخلال تلك الرحلة التى قاربت السنوات الثلاث، كان يُنصت إلى الموسيقى التى أبدعتها القريحةُ المصرية الفذّة، فأطلق مقولته الشهيرة: «علّموا أولادكم الفنون، ثم أغلقوا السجون»، قالها لشعب «أثينا» بمجرد عودته إلى وطنه اليونان القديمة. فقد آمن الفيلسوفُ بوجود علاقة وثقى بين رقى الفن وانخفاض مستوى الجريمة. فالعلاقة بين الفن والجريمة علاقةٌ عكسية، تكاد تكون خصامًا بائنًا.

فى قلب القاهرة، حيث تتعانق الأصالةُ مع الحداثة، تنبض مبادرةٌ جميلة، اسمها: «إحنا ولادك يا مصر»، أفخر باختيارى شاهدةً عليها وعرّابةً لها. مبادرةٌ مثقفةٌ واعية مجدولةٌ بخيوط الفن والوطنية، لتُجسّد حلمًا مصريًا أصيلًا فى تحويل الإبداع إلى أداة للتغيير المجتمعى. هذه المبادرة هى الحصانُ الأسود لأكاديمية «إيتا للمواهب والفنون»، التى أسسها المحامى الفنان «رامى تُرك» عام 2015، ككيان رسمى، ليغدو مِنصَّةً لتعليم الموسيقى والرسم والتمثيل والرياضة، وتُطلق المسابقات المحكّمة لاكتشاف المواهب الشابة فى فضاء حىّ من الحرية والإبداع. لم تكتفِ الأكاديمية بالأنشطة التعليمية، بل توسّعت بأنشطتها المجتمعية المجانية، لتُطلق حملات الإبداع داخل المدارس، ومنها برنامج «نبتة فن» لاكتشاف مواهب الأطفال ودعمها، بالإضافة إلى مسابقات «إيتا ستار» فى الغناء والتمثيل، التى تستقطب مئات المشاركين من مختلف الأعمار والمستويات.

تمثّل هذه المبادرة شجرةً خضراءَ وارفةً، من أجمل أغصانها فريق «دقة قديمة»، الذى يصبو لإحياء التراث الموسيقى المصرى بأسلوب حداثى من أجل استعادة الذائقة المصرية الرفيعة. تأسس الفريق عام 2019 بقيادة المايسترو «أمير وليد»، ويضم مجموعة من العازفين والمطربين جمعهم الشغفُ بالموسيقى الكلاسيكية والفن الأصيل الذى لا يخبو بريقُه، بل يزداد توهجًا كلما مرّ الزمان. يُقدّم الفريق حفلات موسيقية تُعيد إحياء أغانى الزمن الجميل، من أعمال «أم كلثوم» و«عبدالوهاب» و«عبدالحليم» و«وردة» و«فريد» و«رشدى» وغيرهم، مستخدمين آلات تقليدية مثل العود والكمان والناى والقانون، فى تناغم ساحر يُحاكى روح الماضى ويُلامس وجدان الحاضر.

حتى اليوم، قدّم الفريقُ خمس حفلات موسيقية. الأولى كانت تجريبية فى مقر الأكاديمية، والثانية فى نادى الأرمن بشبرا، والثالثة على مسرح كلية رمسيس للبنات، والرابعة داخل نادى الزمالك، والخامسة مؤخرًا كانت فى نفس مسرح رمسيس، وكان المسرح حاشدًا بالحضور، وتشرّفتُ بإلقاء كلمة فى الحفل. تقدّم الحفلات أغنيات الزمن الجميل لتُنعش الذاكرة الجمعية للمصريين وتُعيد ربط الأجيال الجديدة بجذورهم الثقافية الأصيلة.

تسعى مبادرة «إحنا ولادك يا مصر» إلى استخدام الفنون كوسيلة لإحداث تغيير إيجابى فى المجتمع. فمن خلال تنظيم فعاليات فنية ورياضية ومسابقات فى مختلف محافظات مصر، تهدف المبادرة إلى تسليط الضوء على قضايا اجتماعية متنوعة؛ سواء إيجابيات ينبغى تعزيزُها أو سلبيات تستوجب المواجهة والعلاج. يُشارك الفنانون والرياضيون فى هذه الفعاليات برسائل توعوية تنبع من وجدان المجتمع نفسه، وتُحفز على التغيير الإيجابى من الداخل.

ولا تنحصر رسالة المبادرة فى الأداء الحى فحسب، بل تشمل مشروعًا طموحًا لإحياء الذاكرة الفنية المصرية. فقد بدأ الفريق فعليًا فى إعادة إنتاج 100 أغنية قديمة غير معروفة، إلى جانب 100 موشح إسلامى من التواشيح النادرة، 100 ترنيمة من التراث القبطى، من أجل التأكيد على أن الفنَّ مظلّة حاضنة نستظل بها من عواصف التطرف والفرقة. هذا الجهد الوطنى- الفنى المتكامل يسعى لبعث الأصالة، بروح معاصرة لأجيال عطشى للجمال الحقيقى.

تُخطط المبادرة لتوسيع نطاقها لتشمل جميع محافظات مصر، مع هيكل تنظيمى يضم لجانًا فرعية فى كل محافظة، تحت إشراف الأمانة العامة فى القاهرة. وتسعى لإشراك المجتمع المحلى، بتوفير الدعم المعنوى والمادى واللوجستى، بما يضمن استدامة الأنشطة وتحقيق الأثر المنشود على المدى البعيد.

تحية احترام لصديقى «رامى ترك»، نموذجًا رفيعًا للمثقف الفنان المُلتزم بقضايا مجتمعه. فبرغم خلفيته القانونية، دفعه شغفُه بالفن إلى تأسيس «إيتا أكاديمى»، وإطلاق مبادرة «إحنا ولادك يا مصر»، وتشكيل فريق «دّقة قديمة» لإحياء التراث المصرى الغنائى، حاملًا راية الفن الهادف، ومؤمنًا بأن الجمال النابع من أصالة الفن الرفيع يمكن أن يكون أداة فاعلة لإصلاح المجتمع. «إحنا ولادك يا مصر» ليست مجرد مبادرة فنية، بل هى نداء وجدانى يحمل فى طياته حلمًا مصريًا بمستقبل أجمل. عبر الفنون، تُعيد تعريف الوطنية، وتُحوّل الغناء والعزف والتمثيل إلى جسور تواصل بين الإنسان ووطنه، وبين الماضى والحاضر. إنها دعوة لأن نحب مصر بطريقة جديدة: عبر الفن والقوى الناعمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«دقّة قديمة» عزفٌ على أوتار الهُويّة المصرية «دقّة قديمة» عزفٌ على أوتار الهُويّة المصرية



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt