توقيت القاهرة المحلي 23:37:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»

  مصر اليوم -

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»

بقلم: فاطمة ناعوت

الكبارُ من رموز العالم، الذين كرّسوا حياتهم لنشر قيم السلام والمحبة بين بنى الإنسان، هم ميراثٌ مشتركٌ بين البشر أجمعين. لهذا، احتشد نحو نصف المليون مشيّع فى ساحة كاتدرائية القديس بطرس فى الفاتيكان فى مراسم وداع البابا «فرنسيس»، يتقدمهم ملوكٌ وأمراءُ ورؤساءُ دول وشخصياتٌ عامة من جميع أرجاء الأرض، ومن مختلف العقائد والجنسيات.

ومن مصر سافر الدكتور «أسامة الأزهرى»، وزيرُ الأوقاف ومستشارُ رئيس الجمهورية للشؤون الدينية إلى روما، لتقديم واجبَ العزاء وحضور مراسم الجنازة التى أُقيمت صباح أمس الأول ٢٦ أبريل. وقد حضر الوزيرُ على رأس وفد رفيع المستوى من مؤسسة الأزهر الشريف، نيابةً عن الرئيس «عبد الفتاح السيسى»، وبالأصالة عن نفسه. فقد كتب الدكتور «الأزهرى» كلماتٍ راقية نعى بها البابا فرنسيس، واصفًا إياه بأنه «رمز إنسانى من الطراز الرفيع»، مشيدًا بدوره البارز فى دعم قضايا العدالة والسلام، مُثمّنًا حرصه على مد جسور الحوار مع العالم الإسلامى. كذلك أعرب الإمام الأكبر الدكتور «أحمد الطيب» عن حزنه العميق لوفاة البابا، واصفًا إياه بأنه «شخصية إنسانية متميزة» و«صديق عزيز» كرّس حياته لخدمة الإنسانية، وأشاد بمحبة البابا فرنسيس للمسلمين، وإخلاص دعوته للسلام، وثمّن دفاعه عن فلسطين وأهل غزة المضطهدين، وقال إن جهوده الطيبة أسهمت فى دفع جهود الحوار الإسلامى-المسيحى.

تعكس تلك الكلمات الراقية عمق وأصالة العلاقة الطيبة بين الأزهر والفاتيكان، والتى توثّقت عُراها خلال توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» فى أبو ظبى عام ٢٠١٩ والتى تهدف إلى تعزيز قيم التسامح بين البشر على اختلاف أعراقهم، وترسيخ أخلاقيات التفاهم والتقارب والحوار الإيجابى بين الأديان. أما الرئيس «عبد الفتاح السيسى» فقد أشار إلى أنه سيظل مُمتنًا للقاء الذى جمعه بالبابا فرنسيس فى مقر إقامته بالفاتيكان، معبرًا عن تقديره لشخصه وجهوده فى تعزيز السلام والتفاهم بين الأديان. هكذا الكبارُ يعرفون قيمةَ الكبار ويقدّرون جهودهم ويُُعلّون لواءَ الإنسانية ويُجلّون مقامَ الرحيل ويدركون أن المحبة كنزٌ هائل إن فرّط فيه البشر، تراجع موكبُ الإنسانية وتصدّعت أركانُه.

وها نحنُ كذلك نحتشدُ فى رحاب كنيسة سان جوزيف للآباء الفرنسيسكان بالقاهرة، لنقدّم واجب العزاء فى فقيد الإنسانية الجليل قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الذى جال يصنع خيرًا، وغمر العالم برسالته الإنسانية، ومحبته للسلام، ودعوته الدائمة للرحمة والتواضع والحنو على الفقراء والبسطاء والمرضى واللاجئين، وحتى الخُطاة للأخذ بأيديهم نحو الصلاح. ولم نأتِ لنودع بابا الفاتيكان، بل لنودّع رمزًا للضمير الإنسانى الحى، ورقمًا صعبًا فى عالم رجال الدين الذين تخلّوا عن مظاهر الأبهاء وغادروا قصورهم العالية ليتجولوا فى الطرقات بين البسطاء والمعوزين يمدون لهم يد المحبة والاحتواء والإقرار بكرامتهم. ولم يكن حضورُ الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وتمثيلُ الرئيس «السيسى» فى شخص الدكتور «أسامة الأزهرى»، مجرد حضور بروتوكولى شكلى، بل كان رسالةً مصرية بالغة الدلالة تكرّس إيمان الدولة المصرية بأن القيم الإنسانية العليا، مثل الرحمة والسلام والمحبة، تتجاوز الأطر الدينية والسياسية، لتصبح لغةً واحدة يتحدث بها كل مَن أدرك جوهر الأديان، وفهم رسالة السماء إلى الأرض. تلك الرسالة التى تتلخص فى كلمة واحدة: «الإنسان».

وكان ذلك الحضورُ المصرى والإسلامى الرفيع فى وداع بابا الكاثوليك ردًّا حاسمًا على صغار النفوس فقراء الروح ضحال العقل الذين لوثوا صفحات السوشيال ميديا بكلمات الشماتة فى رحيل هذا الرمز العالمى الطيب، دون احترام لجلال الموت ولا مكانة الراحل الكريم، وربما دون أن يدركوا أنهم بسلوكهم المراهق هذا، إنما يسيئون لديننا الحنيف الذى علّمنا الاحترام والتحضّر والسمو. كان البابا فرنسيس رجل لقاءٍ وحوار، لا رجل سلطة وتعالٍ. عاش يبنى الجسور بين القلوب، لا الجدران بين الأمم. دعا إلى كسر شوكة الكراهية، وأيقظ الضمير العالمى للدفاع عن المظلومين، لاسيما فى مناطق النزاع والصراع مثل فلسطين، فلم يتردد فى إدانة العدوان الإسرائيلى على غزة، ونادى بإيقاف نزيف الدم، ونُصرة المدنيين والأطفال. كان يؤمن بأن الأديان خُلقت لا لتتصارع، بل لتتعانق فى سبيل بناء عالم أكثر رحمة وإنصافًا وسلامًا. لهذا لم تحزن الكنيسة الكاثوليكية وحدها على رحيل البابا فرنسيس، بل حزن عليه كل قلب آمن بأن هذا العالم لا يُدار بالقوة، بل بالرحمة، ولا يُحكم بالجبروت، بل بالتواضع.

رحل البابا فرنسيس، بعدما ترك فى ضمير البشرية أثرًا لا يمحوه الزمان. ترك سيرةً نبيلةً لرجل آمن بالإنسان، ودافع عن الضعفاء، وغسل أقدام الفقراء واللاجئين، واعتبر أن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

سلامًا لروحك، أيها الأبُ الحانى الذى ابتسم فى وجه صغيرى المتوحد «عمر» وربّت على رأسه. امضِ إلى الخلود فى سلام، وطوبى لمَن يحمل الشعلة التى أوقدتها فى عالمٍ يحتاج إلى الضياء والمحبة والسلام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس» الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt