توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»

  مصر اليوم -

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»

بقلم: فاطمة ناعوت

الكبارُ من رموز العالم، الذين كرّسوا حياتهم لنشر قيم السلام والمحبة بين بنى الإنسان، هم ميراثٌ مشتركٌ بين البشر أجمعين. لهذا، احتشد نحو نصف المليون مشيّع فى ساحة كاتدرائية القديس بطرس فى الفاتيكان فى مراسم وداع البابا «فرنسيس»، يتقدمهم ملوكٌ وأمراءُ ورؤساءُ دول وشخصياتٌ عامة من جميع أرجاء الأرض، ومن مختلف العقائد والجنسيات.

ومن مصر سافر الدكتور «أسامة الأزهرى»، وزيرُ الأوقاف ومستشارُ رئيس الجمهورية للشؤون الدينية إلى روما، لتقديم واجبَ العزاء وحضور مراسم الجنازة التى أُقيمت صباح أمس الأول ٢٦ أبريل. وقد حضر الوزيرُ على رأس وفد رفيع المستوى من مؤسسة الأزهر الشريف، نيابةً عن الرئيس «عبد الفتاح السيسى»، وبالأصالة عن نفسه. فقد كتب الدكتور «الأزهرى» كلماتٍ راقية نعى بها البابا فرنسيس، واصفًا إياه بأنه «رمز إنسانى من الطراز الرفيع»، مشيدًا بدوره البارز فى دعم قضايا العدالة والسلام، مُثمّنًا حرصه على مد جسور الحوار مع العالم الإسلامى. كذلك أعرب الإمام الأكبر الدكتور «أحمد الطيب» عن حزنه العميق لوفاة البابا، واصفًا إياه بأنه «شخصية إنسانية متميزة» و«صديق عزيز» كرّس حياته لخدمة الإنسانية، وأشاد بمحبة البابا فرنسيس للمسلمين، وإخلاص دعوته للسلام، وثمّن دفاعه عن فلسطين وأهل غزة المضطهدين، وقال إن جهوده الطيبة أسهمت فى دفع جهود الحوار الإسلامى-المسيحى.

تعكس تلك الكلمات الراقية عمق وأصالة العلاقة الطيبة بين الأزهر والفاتيكان، والتى توثّقت عُراها خلال توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» فى أبو ظبى عام ٢٠١٩ والتى تهدف إلى تعزيز قيم التسامح بين البشر على اختلاف أعراقهم، وترسيخ أخلاقيات التفاهم والتقارب والحوار الإيجابى بين الأديان. أما الرئيس «عبد الفتاح السيسى» فقد أشار إلى أنه سيظل مُمتنًا للقاء الذى جمعه بالبابا فرنسيس فى مقر إقامته بالفاتيكان، معبرًا عن تقديره لشخصه وجهوده فى تعزيز السلام والتفاهم بين الأديان. هكذا الكبارُ يعرفون قيمةَ الكبار ويقدّرون جهودهم ويُُعلّون لواءَ الإنسانية ويُجلّون مقامَ الرحيل ويدركون أن المحبة كنزٌ هائل إن فرّط فيه البشر، تراجع موكبُ الإنسانية وتصدّعت أركانُه.

وها نحنُ كذلك نحتشدُ فى رحاب كنيسة سان جوزيف للآباء الفرنسيسكان بالقاهرة، لنقدّم واجب العزاء فى فقيد الإنسانية الجليل قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الذى جال يصنع خيرًا، وغمر العالم برسالته الإنسانية، ومحبته للسلام، ودعوته الدائمة للرحمة والتواضع والحنو على الفقراء والبسطاء والمرضى واللاجئين، وحتى الخُطاة للأخذ بأيديهم نحو الصلاح. ولم نأتِ لنودع بابا الفاتيكان، بل لنودّع رمزًا للضمير الإنسانى الحى، ورقمًا صعبًا فى عالم رجال الدين الذين تخلّوا عن مظاهر الأبهاء وغادروا قصورهم العالية ليتجولوا فى الطرقات بين البسطاء والمعوزين يمدون لهم يد المحبة والاحتواء والإقرار بكرامتهم. ولم يكن حضورُ الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وتمثيلُ الرئيس «السيسى» فى شخص الدكتور «أسامة الأزهرى»، مجرد حضور بروتوكولى شكلى، بل كان رسالةً مصرية بالغة الدلالة تكرّس إيمان الدولة المصرية بأن القيم الإنسانية العليا، مثل الرحمة والسلام والمحبة، تتجاوز الأطر الدينية والسياسية، لتصبح لغةً واحدة يتحدث بها كل مَن أدرك جوهر الأديان، وفهم رسالة السماء إلى الأرض. تلك الرسالة التى تتلخص فى كلمة واحدة: «الإنسان».

وكان ذلك الحضورُ المصرى والإسلامى الرفيع فى وداع بابا الكاثوليك ردًّا حاسمًا على صغار النفوس فقراء الروح ضحال العقل الذين لوثوا صفحات السوشيال ميديا بكلمات الشماتة فى رحيل هذا الرمز العالمى الطيب، دون احترام لجلال الموت ولا مكانة الراحل الكريم، وربما دون أن يدركوا أنهم بسلوكهم المراهق هذا، إنما يسيئون لديننا الحنيف الذى علّمنا الاحترام والتحضّر والسمو. كان البابا فرنسيس رجل لقاءٍ وحوار، لا رجل سلطة وتعالٍ. عاش يبنى الجسور بين القلوب، لا الجدران بين الأمم. دعا إلى كسر شوكة الكراهية، وأيقظ الضمير العالمى للدفاع عن المظلومين، لاسيما فى مناطق النزاع والصراع مثل فلسطين، فلم يتردد فى إدانة العدوان الإسرائيلى على غزة، ونادى بإيقاف نزيف الدم، ونُصرة المدنيين والأطفال. كان يؤمن بأن الأديان خُلقت لا لتتصارع، بل لتتعانق فى سبيل بناء عالم أكثر رحمة وإنصافًا وسلامًا. لهذا لم تحزن الكنيسة الكاثوليكية وحدها على رحيل البابا فرنسيس، بل حزن عليه كل قلب آمن بأن هذا العالم لا يُدار بالقوة، بل بالرحمة، ولا يُحكم بالجبروت، بل بالتواضع.

رحل البابا فرنسيس، بعدما ترك فى ضمير البشرية أثرًا لا يمحوه الزمان. ترك سيرةً نبيلةً لرجل آمن بالإنسان، ودافع عن الضعفاء، وغسل أقدام الفقراء واللاجئين، واعتبر أن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

سلامًا لروحك، أيها الأبُ الحانى الذى ابتسم فى وجه صغيرى المتوحد «عمر» وربّت على رأسه. امضِ إلى الخلود فى سلام، وطوبى لمَن يحمل الشعلة التى أوقدتها فى عالمٍ يحتاج إلى الضياء والمحبة والسلام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس» الأوقافُ والأزهرُ فى وداع البابا «فرنسيس»



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt