توقيت القاهرة المحلي 21:43:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حدود الحرية في عالم اليوم

  مصر اليوم -

حدود الحرية في عالم اليوم

بقلم - جبريل العبيدي

إحراق المصحف بدلاً من قراءته وتمعن ما فيه، فكرة شيطانية تدفع نحو صراع الحضارات، وتعتبر مجاهرة بكره الآخر، وتعرقل التعايش والتسامح بين الأديان، بل تعبّر عن الخلل الأخلاقي الناتج عن خلل فكري جراء مفهوم براغماتي للحرية، فالحرية ليست مطلقة العنان للسباب والشتم وتسفيه الآخر ومعتقداته أو حتى إيذاء مشاعره.

فحرية الفرد ليست منفصلة عن حرية الجماعة ولعل المفكر روسو ذهب إلى أن مفهوم الحرية يقوم على تطابق بين إرادة الجماعة وإرادة الفرد، لأنها بذلك قد تتحول إلى فوضى، تتسبب في خطر يقع أثره على الجميع مما يجعل حرية الفرد مقيدة بسلامة المحيط، الذي ينتمي إليه، فحرية الفرد لا تعني مصادرة حرية الآخرين، كخروج الفرد عارياً مثلاً فهو حر في ذاته، ولكنه بهذا الفعل صادر حرية الآخرين، بل تسبب في الأذى لهم بتلويث أبصارهم بمشهده المؤذي، ويقاس على هذا الكثير.

ولكبح الجنوح في مفهوم الحرية، كما قال جون ستيوارت ميل: «السبب الوحيد الذي يجعل الإنسانية أو (جزءاً منها) تتدخل في حرية أو تصرف أحد أعضائها هو حماية النفس فقط، وإن السبب الوحيد الذي يعطي الحق لمجتمع حضاري في التدخل في إرادة عضو من أعضائه، هو حماية الآخرين من أضرار ذلك التصرف».

الحرية تقف وتقيد عند حدود إيذاء الآخرين، سواء في مشاعرهم أو معتقداتهم، فهي لا تعني إحراق الكتب السماوية أمام دور العبادة، سواء كانت للتوراة والإنجيل والقرآن أو حتى كتاب Gita (معتقد الهندوس) فجميعها كتبٌ لها من يعتقد بها، ولا يجوز إحراقها أو تدنيسها. المفهوم البراغماتي للحرية خلل فكري عائق أمام التعايش المجتمعي سلمياً، وهذا ما دفع البعض إلى إحراق مصاحف القرآن، الأمر الذي سيدفع نحو صدام مجتمعي، وألسنة اللهب قد تتطاير وتصل إلى أماكن أخرى، حيث لا يمكن السيطرة عليها ولا إطفاؤها.

إن إحراق الكتب يعدُّ من سلوكيات الجماعات المتخلفة والهمجية عبر التاريخ، كما فعل هولاكو ونيرون وكسرى، وإن كان سائداً في العصور المظلمة على أوروبا والعالم الغربي، وتكراره اليوم يعكس حنين البعض من الفاعلين إلى عقيدة هولاكو ونيرون. تم إحراق المصحف وتدنيس أوراقه رغم أنه كتاب الإسلام دين الله ومن الله، وهو دين تسامح، ولا يوجد به ما يدعو لكراهية الآخر، بل فيه «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ» وجاء فيه أيضاً: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ». بل إن في القرآن سورة كاملة عن مريم البتول، وذكر اسم عيسى في القرآن 25 مرة، فيما ذكر سيدنا محمد 4 مرات فقط، ولا يوجد في القرآن ما يدعو إلى العنف، بل طالب المسلمين وأمرهم بالسلم إن جنح الآخر للسلم. الذي فكر في حرق المصحف لم يفكر في قراءته، في السويد التي من المفترض أن تكون مقراً للتعايش بين الأديان، إلا أن استمرار منح الإذن للمخبولين وأعداء التعايش السلمي بحرق المصحف وأمام مساجد المسلمين في السويد، محاولة استفزازية لمليار ونصف المليار مسلم في العالم بتفكير راعيها إحراق القرآن الكريم، تؤكد سياسة الدفع نحو التصادم بين الأديان، والتحريض على الكراهية ونشر ثقافة كره الآخر وعزله. المبررات التي تسوقها الحكومة السويدية لمنحها أذونات التظاهر ومهرجانات الحرق والكراهية، غير مقبولة ولا يمكن الاقتناع بها، رغم تلونها بشعارات «حرية التعبير» التي ستسقط عنها ورقة التوت لتتعرى أمام أول اختبار بالمساس بما هو معادٍ «للسامية»، أو محاولة حتى التشكيك في أعداد ضحايا الهولوكوست، وليست فقط في حقيقة حدوثها من أصلها. هذا يؤكد أن مبررات حكومة السويد مجرد أضاليل لتبرير سياسة انتقائية ممنهجة لا يمكن القبول بها في نظام عالمي جديد من المفترض أنه ينبذ خطاب الكراهية. ولكن لا أعرف لماذا لا يفطنون لهذا، ولم أجد مبرراً لهذا سوى المكابرة والسياسة البراغماتية والانتقائية التي ترى الحق والخير والحرية فيما يخدم مصلحتها وسيطرة العقد اللونية في جهل مطبق. السلم الاجتماعي من أكبر النعم، فإذا غاب برزت أنياب الشرور كلها، لا يصح أن تطغى فئة على أخرى، أو مجموعة على أخرى بأي حال من الأحول.هل من الممكن أن يخرج رجل وهو شهر سلاحة للناس من دون أن تقبض عليه الشرطة، هذا مستحيل أن يحدث في لندن مثلاً، وفي هذا المشهد سوف نرى فرقة مسلحة بل مدججة بالسلاح لعلاج هذا الموقف؟!هذا الموقف في نظري شبيه بما فعله الشاب العراقي الذي حرف المصحف. هذا تهديد صريح للتعايش والسلم الاجتماعي. وهو فضل مصلحته الشخصية بمحاولة تخريب التعايش السلمي، هو أراد أن يحرق أوراق العودة إلى العراق غصباً، فأراد أن يغصب الدولة على على قبوله فيها، ولو على حساب الأمن المجتمعي. النرجسيون دائماً هكذا، همهم أنفسهم لا غير.لسنا هنا في خضم تذكر سماحة الإسلام بل يكفي أن نقول إن برنارد لويس قال في كتابه the west and the middle east : «لقد نجح الإسلام في جمع التسامح الديني التقليدي فيما لم ينجح غيره».المتطرفون النرجسيون هم من يسعون إلى هدم التعايش السلمي، على العكس من المؤمنين في كل البلدان الذين يسعون نحو «الله محبة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حدود الحرية في عالم اليوم حدود الحرية في عالم اليوم



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt