توقيت القاهرة المحلي 14:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حدود الحرية في عالم اليوم

  مصر اليوم -

حدود الحرية في عالم اليوم

بقلم - جبريل العبيدي

إحراق المصحف بدلاً من قراءته وتمعن ما فيه، فكرة شيطانية تدفع نحو صراع الحضارات، وتعتبر مجاهرة بكره الآخر، وتعرقل التعايش والتسامح بين الأديان، بل تعبّر عن الخلل الأخلاقي الناتج عن خلل فكري جراء مفهوم براغماتي للحرية، فالحرية ليست مطلقة العنان للسباب والشتم وتسفيه الآخر ومعتقداته أو حتى إيذاء مشاعره.

فحرية الفرد ليست منفصلة عن حرية الجماعة ولعل المفكر روسو ذهب إلى أن مفهوم الحرية يقوم على تطابق بين إرادة الجماعة وإرادة الفرد، لأنها بذلك قد تتحول إلى فوضى، تتسبب في خطر يقع أثره على الجميع مما يجعل حرية الفرد مقيدة بسلامة المحيط، الذي ينتمي إليه، فحرية الفرد لا تعني مصادرة حرية الآخرين، كخروج الفرد عارياً مثلاً فهو حر في ذاته، ولكنه بهذا الفعل صادر حرية الآخرين، بل تسبب في الأذى لهم بتلويث أبصارهم بمشهده المؤذي، ويقاس على هذا الكثير.

ولكبح الجنوح في مفهوم الحرية، كما قال جون ستيوارت ميل: «السبب الوحيد الذي يجعل الإنسانية أو (جزءاً منها) تتدخل في حرية أو تصرف أحد أعضائها هو حماية النفس فقط، وإن السبب الوحيد الذي يعطي الحق لمجتمع حضاري في التدخل في إرادة عضو من أعضائه، هو حماية الآخرين من أضرار ذلك التصرف».

الحرية تقف وتقيد عند حدود إيذاء الآخرين، سواء في مشاعرهم أو معتقداتهم، فهي لا تعني إحراق الكتب السماوية أمام دور العبادة، سواء كانت للتوراة والإنجيل والقرآن أو حتى كتاب Gita (معتقد الهندوس) فجميعها كتبٌ لها من يعتقد بها، ولا يجوز إحراقها أو تدنيسها. المفهوم البراغماتي للحرية خلل فكري عائق أمام التعايش المجتمعي سلمياً، وهذا ما دفع البعض إلى إحراق مصاحف القرآن، الأمر الذي سيدفع نحو صدام مجتمعي، وألسنة اللهب قد تتطاير وتصل إلى أماكن أخرى، حيث لا يمكن السيطرة عليها ولا إطفاؤها.

إن إحراق الكتب يعدُّ من سلوكيات الجماعات المتخلفة والهمجية عبر التاريخ، كما فعل هولاكو ونيرون وكسرى، وإن كان سائداً في العصور المظلمة على أوروبا والعالم الغربي، وتكراره اليوم يعكس حنين البعض من الفاعلين إلى عقيدة هولاكو ونيرون. تم إحراق المصحف وتدنيس أوراقه رغم أنه كتاب الإسلام دين الله ومن الله، وهو دين تسامح، ولا يوجد به ما يدعو لكراهية الآخر، بل فيه «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ» وجاء فيه أيضاً: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ». بل إن في القرآن سورة كاملة عن مريم البتول، وذكر اسم عيسى في القرآن 25 مرة، فيما ذكر سيدنا محمد 4 مرات فقط، ولا يوجد في القرآن ما يدعو إلى العنف، بل طالب المسلمين وأمرهم بالسلم إن جنح الآخر للسلم. الذي فكر في حرق المصحف لم يفكر في قراءته، في السويد التي من المفترض أن تكون مقراً للتعايش بين الأديان، إلا أن استمرار منح الإذن للمخبولين وأعداء التعايش السلمي بحرق المصحف وأمام مساجد المسلمين في السويد، محاولة استفزازية لمليار ونصف المليار مسلم في العالم بتفكير راعيها إحراق القرآن الكريم، تؤكد سياسة الدفع نحو التصادم بين الأديان، والتحريض على الكراهية ونشر ثقافة كره الآخر وعزله. المبررات التي تسوقها الحكومة السويدية لمنحها أذونات التظاهر ومهرجانات الحرق والكراهية، غير مقبولة ولا يمكن الاقتناع بها، رغم تلونها بشعارات «حرية التعبير» التي ستسقط عنها ورقة التوت لتتعرى أمام أول اختبار بالمساس بما هو معادٍ «للسامية»، أو محاولة حتى التشكيك في أعداد ضحايا الهولوكوست، وليست فقط في حقيقة حدوثها من أصلها. هذا يؤكد أن مبررات حكومة السويد مجرد أضاليل لتبرير سياسة انتقائية ممنهجة لا يمكن القبول بها في نظام عالمي جديد من المفترض أنه ينبذ خطاب الكراهية. ولكن لا أعرف لماذا لا يفطنون لهذا، ولم أجد مبرراً لهذا سوى المكابرة والسياسة البراغماتية والانتقائية التي ترى الحق والخير والحرية فيما يخدم مصلحتها وسيطرة العقد اللونية في جهل مطبق. السلم الاجتماعي من أكبر النعم، فإذا غاب برزت أنياب الشرور كلها، لا يصح أن تطغى فئة على أخرى، أو مجموعة على أخرى بأي حال من الأحول.هل من الممكن أن يخرج رجل وهو شهر سلاحة للناس من دون أن تقبض عليه الشرطة، هذا مستحيل أن يحدث في لندن مثلاً، وفي هذا المشهد سوف نرى فرقة مسلحة بل مدججة بالسلاح لعلاج هذا الموقف؟!هذا الموقف في نظري شبيه بما فعله الشاب العراقي الذي حرف المصحف. هذا تهديد صريح للتعايش والسلم الاجتماعي. وهو فضل مصلحته الشخصية بمحاولة تخريب التعايش السلمي، هو أراد أن يحرق أوراق العودة إلى العراق غصباً، فأراد أن يغصب الدولة على على قبوله فيها، ولو على حساب الأمن المجتمعي. النرجسيون دائماً هكذا، همهم أنفسهم لا غير.لسنا هنا في خضم تذكر سماحة الإسلام بل يكفي أن نقول إن برنارد لويس قال في كتابه the west and the middle east : «لقد نجح الإسلام في جمع التسامح الديني التقليدي فيما لم ينجح غيره».المتطرفون النرجسيون هم من يسعون إلى هدم التعايش السلمي، على العكس من المؤمنين في كل البلدان الذين يسعون نحو «الله محبة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حدود الحرية في عالم اليوم حدود الحرية في عالم اليوم



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 08:07 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
  مصر اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 11:48 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح
  مصر اليوم - مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt