توقيت القاهرة المحلي 14:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

درنة بين الخراب والفقدان والوجع

  مصر اليوم -

درنة بين الخراب والفقدان والوجع

بقلم - جبريل العبيدي

درنة الليبية، حاضنة الثقافة والتعايش المجتمعي، التي احتضنت الحضارات وكانت ملجأ للشعوب والمضطهدين؛ درنة التي استقبلت الأندلسيين والمورسكيين الهاربين من الاضطهاد في الأندلس وعاشوا فيها وتعايشوا؛ درنة التي استقبلت فسيفساء الوطن الليبي بشتى قبائله بعد ما عُرف بـ«تجريدة حبيب لعبيدي»، اليوم هدمَ تاريخَها العمرانيَّ «إعصارُ دانيال» وتركها بين الخراب والفقدان والوجع.

درنة التي ما كادت تنفض غبار «داعش» والإرهاب عنها حتى جرفها الطوفان وحلت بها كارثة الفيضانات التي أيقظها «إعصار دانيال» ليغادرها بعد أن أسلمها للطوفان. روايات ومشاهد مفزعة ينقلها مراسلو وكالات الأنباء من وسط درنة، بعضها من ناجين، وبعضها لمشاهد الجثث والدمار والهلع بين الناجين من فيضانات وادي درنة الليبي، التي تعرضت لأكبر فيضانات شهدتها ليبيا في مائة عام مضت ولم تكن مسبوقة بالقوة والدمار نفسهما، بعد أن تجاوز هطول الأمطار في مناطق جوار درنة 400 ملم وبعلو أمواج الطوفان أكثر من 40 متراً.

فاض الوادي، الذي يبلغ طوله 50 كيلو متراً، ويقع بين جبلين، بسبب غزارة الأمطار، وقوةُ تدفق المياه غير المسبوقة هدمت السدين المؤهلين لاحتجاز 20 مليون متر مكعب من الماء، وما كانا ليصمدا أمام 10 أضعاف الكمية، حتى لو كان السدان في أحسن حاليهما، فما بالك أنهما في حاجة أصلاً للصيانة، التي تمت عرقلتها لأسباب كثيرة نتركها للنائب العام ليفصل فيها، فانهار السدان ليجرف فيضان الوادي الأحياء الواقعة في مجرى الوادي وعلى جانبيه إلى البحر.

ولكن يبقى السؤال: هل المتهم هو انهيار كبرى السدود، خصوصاً في مدينة درنة، وهو السبب وراء الدمار الكارثي وفقدان عائلات بأكملها بعد أن جرفت المياه أكثر من ربع مساحة المدينة بعد أن اختفت أحياء كاملة؟ أم أن للكارثة جذوراً أخرى وأسباباً غير معلنة.

ولكن الحقيقة التي يحاول البعض القفز عليها هي، كما يرى الخبراء في تخطيط المدن، أن مدينة درنة، خصوصاً الجزء القديم والتاريخي منها، مقامة على دلتا وادي درنة، الذي يعد مستقراً للمياه المندفعة من أعلى الجبل إلى دلتا الوادي بقوة وغزارة، خصوصاً في حالة «إعصار دانيال»، حيث إن الوادي في أعلى نقطة له 700 متر عن سطح البحر، وينخفض تدريجياً، حيث كانت غزارة المياه، خصوصاً في جوار درنة، التي تصب وديانها في وادي درنة، مما تسببت في امتلاء الوادي بكميات كبيرة تفوق قدرته الاستيعابية عشرات المرات، مما تسبب في انهيار السدين اللذين هما في الأساس مهملان، ولا صيانة قريبة تمت لهما، مما جعلهما ينهاران في أول اندفاع للمياه وفيضان جرى للوادي.

الخبراء يقولون إنه من الصعوبة تغيير مجرى الوادي لكونه يمر عبر جبلين أو هضبتين، والمدينة بنيت عند انتهاء الوادي، مما جعلها في حالة خطر دائم ومتكرر وضحية لأي فيضان يحدث، ولكن حجم الضحايا يحدده مدى غضب الوادي وحجم المياه التي تجري فيه، الأمر الذي يتطلب إخلاء منطقة مجرى وجنبي الوادي من أي إعمار يمكن أن يجرفه الوادي ولو بعد حين، فالوادي الخامد منذ عام 1968، وقبلها عام 1959، فاضت مياهه اليوم وجرفت معها سكان المدينة وعمرانها، وتحول جزء من المدينة إلى خراب يسكن البحر تسكنه الجثث.

صور الأقمار الاصطناعية والمحلية أظهرت حجم الكارثة والفاجعة غير المسبوقة في تاريخ المآسي والكوارث في ليبيا، فحجم الكارثة أكبر من إمكانات وقدرة الحكومتين الليبيتين المتنازعتين الشرعية في حكم البلاد، اللتين تتبادلان الآن التهم بالتقصير، وأخشى أن ينتهي التحقيق باتهام الضحايا بأنهم السبب في الكارثة، في ظل حديث عن طلبات بإخلاء منطقة مجرى الوادي من السكان، وتعنت البعض، ورفضهم الخروج، الكارثة حدثت ورحم الله من قضى نحبه، ولكن لا بد من محاسبة المقصر من الحكومات والسلطات قبل أي لوم للضحايا.

الروايات التي يرويها الغطاسون، خصوصاً من الفرق الأجنبية، مرعبة ومفزعة عن أكوام الجثث والبنيان المردوم في البحر، كما قال رئيس فرق الغطاسين الأتراك، الذي تحدث عن هول ما رأى تحت الماء لمدينة جرفها الطوفان إلى البحر.

درنة المدينة الجميلة التي يصفها الجميع في ليبيا ببلد الزهور، التي بكاها شاعر عراقي عاش فيها بضع سنين مدرساً بمدارسها قبل 20 عاماً فقال:

حسدوا جمالك درنة الأحباب

فأجاءك الإعصار محض خراب

وقف الدمار بكل باب همه

وأد الحياة بتلكم الأبواب

جثثاً تقلبها الرياح فما نرى

إلا التوجع والأسى برقاب

درنة وأهلها وليبيا والعالم الحر لن يقبلوا أن يكون المتهم هو الضحايا، ولا مناص من معاقبة المهملين والفاسدين، قولاً واحداً... مات الكلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

درنة بين الخراب والفقدان والوجع درنة بين الخراب والفقدان والوجع



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 08:07 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
  مصر اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 11:48 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح
  مصر اليوم - مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt