توقيت القاهرة المحلي 09:53:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حزن غير محتمل

  مصر اليوم -

حزن غير محتمل

بقلم: خالد منتصر

ما إن حررت الرواية من غلاف السيلوفان وتابعت سطورها الأولى التى تقول:

«فى مدينة «أ»، انتحرت ليلة السبت الماضى ربة منزلٍ تبلغ من العمر واحداً وخمسين عاماً بعد أن تناولت جرعةً زائدةً من الحبوب المنومة»، والآن، مرت ستة أسابيع منذ أن ماتت أمى، وأنا أريد أن أبدأ العمل قبل أن يتحول الاحتياج إلى الكتابة عنها، الذى شعرت به بقوةٍ يوم دفنها، إلى عجزٍ متبلِّدٍ عن الكلام. وقد كان هذا العجز هو ما استقبلت به خبر انتحارها. نعم، البدء فى العمل، لأن الاحتياج لأن أكتب شيئاً عن أمى، حتى ولو كنت أشعر به فى بعض الأحيان مفاجئاً ودون مقدمات، إلا أنه فى الوقت نفسه رغبةٌ غير محددةٍ تحتاج إلى أن أبذل كل طاقتى فى العمل حتى لا أدق على الآلة الكاتبة دائماً، وأكتب الحرف نفسه على الورقة. هذا العلاج الحركى وحده لن يفيدنى، سوف يجعلنى فقط أكثر سلبيةً وأكثر تبلداً. يمكننى أن أسافر أيضاً، ففى السفر، أثناء الرحلة، لن يثير أعصابى شرود ذهنى المضطرب وتكاسلى».

ما إن فعلت هذا حتى ظللت أقرأ الرواية حتى التهمتها فى جلسة واحدة بدون توقف، «حزن غير محتمل» للروائى النمساوى بيتر هاندكه الحاصل على جائزة نوبل ٢٠١٩، عمل فنى تصنيفه صعب، ووضعه فى إطار أدبى سابق التجهيز أمر يكاد يكون مستحيلاً، فهو ليس رواية بالمعنى المفهوم الذى تعودنا عليه، لكنه سيرة أم الروائى نفسه كتبها هاندكه بعد انتحارها بأسابيع، لكنها ليست سيرة تقليدية ببداية ووسط ونهاية وسرد تصاعدى كلاسيكى، لكنها صراع الروائى نفسه مع اللغة التى سيكتب بها ويعبر عن مشاعره تجاه الأم نفسها وتجاه الأدب والفن عموماً، دهشة القارئ ستأتى من أنه سيكتشف أنه فى النمسا كان يوجد فقر فى مناطق الريف هناك، والأم عاشت طفولتها مع جدة فى تلك الظروف قبل الحرب العالمية الثانية، سرد هاندكه لرحلة الأم سرد بديع، والتقاطه للتفاصيل ينم عن عين ذكية وفضولية بامتياز، والده لم تتزوجه، ومن عاشت معه بعد ذلك ليس والده، حكاياته عن زوج الأم السكير وعلاقته المرتبكة بالأم من أقوى مناطق الكتاب، تحولات الأم من الخجل والتشرنق، إلى السخرية والاقتحام، بدايات تدهور الذاكرة وشعور الوحدة فى النصف الثانى من الكتاب من أروع ما قرأت عن خرف الشيخوخة، ثم انتحارها فى النهاية بمائة قرص منوم، ثم وصفه المباغت المدهش الصادم لذلك الانتحار بأنه فخور به، يجعلك كقارئ تصنع المسافة التى كان يريدها الكاتب ونجح فيها، مسافة الحياد بينك وبين العمل برغم شحنة العاطفة الموجودة فى القصة أو السيرة، كتاب لا بد من قراءته على عدة مستويات، نص بديع لكاتب مدهش، الكتاب صادر عن دار العربى للنشر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حزن غير محتمل حزن غير محتمل



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 05:28 2020 الخميس ,03 أيلول / سبتمبر

مصر للطيران تسير 34 رحلة دولية الخميس

GMT 10:48 2024 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

ياسمين عز تستعين بمنى زكي وتوجه نصيحة غريبة للفتيات

GMT 22:39 2024 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

معرض فني يجمع الأمير هاري والأمير سيزو في نيويورك

GMT 06:15 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

وفاة الأميرة عبطا بنت سعود بن عبدالعزيز آل سعود

GMT 18:17 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

كاميرات المراقبة تفضح جريمة قتل طفل في محافظة الفيوم

GMT 00:09 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

جولة مذهلة في جزيرة سانتوريني المثيرة

GMT 15:39 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

الزمالك يعلن تفاصيل إصابة عبد المجيد وعمر جابر

GMT 13:34 2021 الإثنين ,04 تشرين الأول / أكتوبر

عمرو دياب يطرح برومو أغنية "حلو التغيير" من ألبوم "عيشني"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt