توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غرب أفريقيا على طريق أفغانستان!

  مصر اليوم -

غرب أفريقيا على طريق أفغانستان

بقلم:هدى الحسيني

في صحراء الساحل الكبرى الممتدة من شمال مالي إلى حدود غانا وكوت ديفوار، يتشكّل ما يشبه دولة موازية خارجة عن القانون، تخضع لحكم جماعة متطرفة تُعرف باسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». هذه الجماعة المرتبطة بـ«تنظيم القاعدة» أصبحت، وفق تقييم خبراء أمنيين، أقوى تنظيم إرهابي في القارة الأفريقية اليوم، وتسيطر على أراضٍ تتجاوز مساحتها خمس مرات ولاية تكساس، في وقت تبدو حكومات غرب أفريقيا عاجزة عن المواجهة، والمجتمع الدولي شبه غائب.

انطلقت هذه الجماعة من مالي عام 2017 كمظلة جمعت فصائل «جهادية» متفرقة، واستفادت من هشاشة الدولة، ثم تمددت إلى بوركينا فاسو والنيجر، ولا تزال توسّع نفوذها شرقاً وجنوباً، مهددة دولاً مثل بنين وتوغو وكوت ديفوار والسنغال وغانا، وهي بلدان كانت تُعد بمنأى عن التهديدات الإرهابية. ووفق شهادات أمنيين، تمارس الجماعة نوعاً من الحكم الفعلي في الأراضي التي تسيطر عليها، حيث تجمع الأموال من السكان، وتدير شبكات تهريب وسرقة واختطاف، ما يوفّر لها تمويلاً مستداماً يجعلها قادرة على مواصلة القتال والتوسع.

وبينما تنشغل الولايات المتحدة بإعادة النظر في وجودها العسكري العالمي، يبدو أن غرب أفريقيا يفقد ثقله في أجندة واشنطن، رغم تحذيرات قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، الجنرال مايكل لانغلي، أمام الكونغرس، حين أكد أن «الخطر الإرهابي في الساحل يتفاقم، وإذا لم يُكبح، فسيمثّل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، وربما للمصالح الأميركية لاحقاً». تصريحاته تزامنت مع تقليص التمويل لبرامج التنمية الأميركية في أفريقيا.

الخطورة لا تكمن فقط في الهجمات المتكررة التي تستهدف القوات الحكومية ومقارها، التي بلغت في بوركينا فاسو أكثر من 280 هجوماً خلال النصف الأول من عام 2025، بل في تحوّل الجماعة إلى ما يشبه «نموذج حكم» يكون بديلاً عن الدول العاجزة. ففي المناطق الخاضعة لها، تفرض قوانين مستوحاة من تفسير متشدد للشريعة، وتُظهر سيطرة أمنية واجتماعية واضحة، ما يخلق واقعاً جديداً يصعب تغييره عبر القوة فقط.

ويرى خبراء أمنيون أن الجماعة تستخدم العنف وسيلة استراتيجية لفرض مشروعها، لكنها تتجنب عمداً استهداف المصالح الغربية بشكل مباشر، وهو ما يجعل الغرب يتعامل معها بوصفها تهديداً «محلياً» لا يتطلب تدخلاً فورياً. لكن هذا التقدير قد يكون مضللاً، إذ إن «تحوّل الجماعة إلى كيان ثابت وقادر على الحكم يعني ولادة ملاذ آمن لـ(الجهاديين) من مختلف أنحاء العالم، ومعه تتوسّع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات والأسلحة والبشر».

من جهة أخرى، تتفاقم خطورة الوضع مع تراجع فاعلية الجيوش المحلية، خصوصاً بعد سلسلة الانقلابات التي جاءت بأنظمة عسكرية إلى الحكم في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. هذه الأنظمة، بدلاً من معالجة الأسباب العميقة للتطرف، لجأت إلى القمع الشديد في القرى والمناطق الريفية، ما أدى، وفق تقديرات ميدانية، إلى نفور السكان والتفافهم حول الجماعة التي تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عنهم في وجه الاعتداءات الحكومية.

الولايات المتحدة باتت تعتمد على مقاربة جديدة، تتمثل في تقديم المساعدة التقنية والاستخباراتية من دون انخراط مباشر. الجنرال لانغلي قال بوضوح إن على الدول الأفريقية أن «تحمل العبء الأمني بنفسها»، و«الولايات المتحدة لن تفرض نفسها على سيادة أحد»، مؤكداً أن واشنطن قد لا تستمر في القيام بكل ما كانت تفعله سابقاً. وخلال مؤتمر دفاعي في أيار (مايو) الماضي، أوضح لانغلي أن «الهدف اليوم هو مساعدة أفريقيا على أن تفعل الكثير بنفسها».

لكن هذه المقاربة تُقلق مراقبين، خصوصاً في ظل سباق النفوذ الجاري على القارة. الصين، بحسب لانغلي، تنفق على شراكاتها العسكرية في أفريقيا بمعدل يفوق ما تنفقه واشنطن على القيادة العسكرية هناك بمائة مرة. أما روسيا، فتمضي في توسيع حضورها عبر «فاغنر» التي أعادت تشكيل نفسها تحت اسم «فيلق أفريقيا»، وتقوم بمهمات أمنية ومساعدات سياسية لأنظمة عدة، ما يمنح موسكو نفوذاً كبيراً على حساب الغرب.

وهنا يكمن البُعد الاستراتيجي الخطير: فبينما تُعاد صياغة خريطة الولاءات والنفوذ في أفريقيا، تغيب الولايات المتحدة تدريجياً، في وقت تسعى فيه الصين وروسيا إلى ملء الفراغ. الجنرال لانغلي قالها صراحة: «أفريقيا أصبحت ساحة مواجهة محورية في صراع القوى الكبرى»، وهو ما ردده أيضاً مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، بقوله: «يجب أن نستثمر أكثر في أفريقيا لمواجهة النفوذ الزائد للصين وروسيا، لا أن نقلّص وجودنا».

في هذا السياق، تبدو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أكثر من مجرد تنظيم مسلح. إنها أداة توازن جيوسياسي في منطقة هشة، وإذا استمرت في التمدد، فقد تغيّر المشهد الاستراتيجي بالكامل، ليس في غرب أفريقيا فقط، بل في مجمل القارة، وربما خارجها. ومن شأن سقوط عواصم أفريقية أو مدن ساحلية بيد الجماعة أن يؤدي إلى موجات هجرة زائدة نحو أوروبا وأميركا، وإلى تنامي تهريب السلاح والمخدرات، وتحوّل المنطقة إلى بؤرة لتدريب جماعات أخرى.

وفي الوقت الذي يشيد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرص الاستثمار في بعض دول غرب أفريقيا، فإن خبراء أمنيين يحذرون من أن تجاهل الخطر الإرهابي قد يُفرغ هذه الفرص من معناها. فالاستثمار لا يستقر من دون أمن، والمساعدات لا تُجدي إذا لم تترافق مع فهم حقيقي لما يجري على الأرض.

يبقى السؤال: هل ستتحرك الدول الغربية قبل أن يتحول الساحل إلى أفغانستان جديدة، أم أن الوقت قد فات على مواجهة جادة لهذا التمدد «الجهادي»؟ لا تبدو المؤشرات مشجعة، لكن الفرصة لا تزال قائمة، بشرط أن تُفهم المنطقة على حقيقتها، لا على أساس الحسابات المؤقتة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غرب أفريقيا على طريق أفغانستان غرب أفريقيا على طريق أفغانستان



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt