توقيت القاهرة المحلي 06:58:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تجريم الفقر!

  مصر اليوم -

تجريم الفقر

بقلم:منار الشوربجي

سياسات إدارة ترامب الداخلية تجسد النيوليبرالية فى أكثر صورها توحشا. فهى لا تُزيد فقط الفقراء فقرا، وإنما تحوّل الفقر لجريمة تستوجب العقاب! والنيوليبرالية رؤية اقتصادية تنسحب فيها الدولة خصوصا من حماية المجتمع من مثالب الرأسمالية بل وتُقلِّص القواعد التى تحميه من الاستغلال والاحتكار.

فمنذ أسابيع، هددت الإدارة بالامتناع الإدارة عن تمويل برنامج «طوابع الطعام» حال استمرار إغلاق أبواب الحكومة الفيدرالية متعللة بنفاذ التمويل. وبرنامج «طوابع الطعام» برنامج فيدرالى يخدم أكثر من ٤٢ مليون مواطن، إذ يمنح المستفيد كوبونات يحصل بموجبها على المواد الغذائية التى تقيم أوده. ورغم أن اليمين يتهم البرنامج بالمسؤولية عن تشجيع العاطلين على الكسل، فإن نسبة معتبرة من المستفيدين من البرنامج يعملون ولكن بأجور زهيدة بحيث لا يكفى فيه أجرا الأم والأب معا لإعالة الأسرة. كما يخدم البرنامج ذوى الاحتياجات الخاصة وكبار السن الذين لا تكفى معاشاتهم متطلبات الحياة خصوصا مع الأسعار المذهلة للرعاية الصحية. المفارقة أن الملايين ممن أعطوا أصواتهم لترامب من محدودى الدخل فى الريف يستفيدون من البرنامج! وقد تبين أن الإدارة تملك التمويل لاستمرار البرنامج حتى لو استمر إغلاق الحكومة الفيدرالية. فالسناتور إليزابيث وارين صرحت بأن الكونجرس على مدار العامين الماضيين اعتمد ٣ مليارات سنويا تحت بند «الطوارئ»، وهو ما يمكن للإدارة استخدامه اليوم. أكثر من ذلك، حين لجأت أكثر من ٢٥ ولاية للقضاء لإجبار الإدارة على الاستمرار فى تمويل البرنامج، اعترفت الأخيرة أمام القضاء بأنها تملك الأموال بالفعل.

وقد صدر قرار من محكمة أول درجة يلزم الإدارة بتمويل البرنامج مؤكدا أنه لا يحق للمؤسسة التنفيذية أن ترفض إنفاق أموال اعتمدها الكونجرس. لكن لأن الأموال المتنازع عليها تتعلق بشهر نوفمبر الجارى، فإن المتيقن أن ملايين الأسر لن تحصل على الطعام، على الأقل لبعض الوقت.

ليس ذلك فقط، فقد أصدر ترامب فى يوليو الماضى «أمرا تنفيذيا»، لا يحتاج لموافقة الكونجرس، يمنح السلطات الصلاحية لملاحقة المشردين الذين يفترشون الشوارع ووضعهم دون إرادتهم فى مصحات لعلاج الأمراض النفسية أو الإدمان، أو السجون. وعنوان الأمر التنفيذى يفضح رؤية الإدارة لأزمة متفاقمة لا تُعالِج أسبابها أصلا. فقد صدر الأمر تحت عنوان «القضاء على الجريمة والفوضى فى الشوارع الأمريكية». والحقيقة أن ظاهرة المشردين بأمريكا لا تسبب الجريمة وإنما تكشف عن جريمة فى حق المشردين.

فالكثيرون ممن يفترشون شوارع المدن حاربوا بالجيش الأمريكى فى العراق وأفغانستان، ولكنهم بعد تأدية واجبهم الوطنى عادوا بإعاقات دائمة أو ضغوط نفسية أدت لانهيار أسرهم. والتكاليف المذهلة للرعاية النفسية أو الإعاقات أدت بهم للعجز عن دفع قروض المنازل أو إيجاراتها فصاروا فى الشارع. وارتفاع أسعار الإيجارات وندرة الإسكان ذى التكاليف المعقولة مسؤول عن تشرد الآلاف غيرهم. فإصابة أحد أفراد الأسرة بمرض عضال، مثلا، قد يعنى إفلاسها بسبب تكاليف العلاج أو فقدان أحد دخلى الأسرة لبقاء أحد الوالدين بالمنزل لخدمة المريض. وهى ظروف تخلق سلسلة من التعقيدات قد تؤدى للعجز عن دفع إيجار المنزل فيتم طرد الأسرة إلى الشارع. وتلك الظروف كلها تمثل ضغوطا هائلة هى التى تؤدى لتفشى الأمراض النفسية بين المشردين أو لجوئهم للإدمان للتعايش مع قهر قاتل تعرضوا له. والمؤسسات التى تريد الإدارة وضع المشردين فيها، بما فيها السجون، أغلبها مؤسسات تحقق أرباحا بالمليارات من وراء إيواء هؤلاء!

بعبارة أخرى، فى تلك النسخة المتوحشة من النيوليبرالية لا يتم فقط نزع الإنسانية عن الفقراء وإنما تجريم الفقر أصلا!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تجريم الفقر تجريم الفقر



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt