توقيت القاهرة المحلي 06:47:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تجريم الفقر!

  مصر اليوم -

تجريم الفقر

بقلم:منار الشوربجي

سياسات إدارة ترامب الداخلية تجسد النيوليبرالية فى أكثر صورها توحشا. فهى لا تُزيد فقط الفقراء فقرا، وإنما تحوّل الفقر لجريمة تستوجب العقاب! والنيوليبرالية رؤية اقتصادية تنسحب فيها الدولة خصوصا من حماية المجتمع من مثالب الرأسمالية بل وتُقلِّص القواعد التى تحميه من الاستغلال والاحتكار.

فمنذ أسابيع، هددت الإدارة بالامتناع الإدارة عن تمويل برنامج «طوابع الطعام» حال استمرار إغلاق أبواب الحكومة الفيدرالية متعللة بنفاذ التمويل. وبرنامج «طوابع الطعام» برنامج فيدرالى يخدم أكثر من ٤٢ مليون مواطن، إذ يمنح المستفيد كوبونات يحصل بموجبها على المواد الغذائية التى تقيم أوده. ورغم أن اليمين يتهم البرنامج بالمسؤولية عن تشجيع العاطلين على الكسل، فإن نسبة معتبرة من المستفيدين من البرنامج يعملون ولكن بأجور زهيدة بحيث لا يكفى فيه أجرا الأم والأب معا لإعالة الأسرة. كما يخدم البرنامج ذوى الاحتياجات الخاصة وكبار السن الذين لا تكفى معاشاتهم متطلبات الحياة خصوصا مع الأسعار المذهلة للرعاية الصحية. المفارقة أن الملايين ممن أعطوا أصواتهم لترامب من محدودى الدخل فى الريف يستفيدون من البرنامج! وقد تبين أن الإدارة تملك التمويل لاستمرار البرنامج حتى لو استمر إغلاق الحكومة الفيدرالية. فالسناتور إليزابيث وارين صرحت بأن الكونجرس على مدار العامين الماضيين اعتمد ٣ مليارات سنويا تحت بند «الطوارئ»، وهو ما يمكن للإدارة استخدامه اليوم. أكثر من ذلك، حين لجأت أكثر من ٢٥ ولاية للقضاء لإجبار الإدارة على الاستمرار فى تمويل البرنامج، اعترفت الأخيرة أمام القضاء بأنها تملك الأموال بالفعل.

وقد صدر قرار من محكمة أول درجة يلزم الإدارة بتمويل البرنامج مؤكدا أنه لا يحق للمؤسسة التنفيذية أن ترفض إنفاق أموال اعتمدها الكونجرس. لكن لأن الأموال المتنازع عليها تتعلق بشهر نوفمبر الجارى، فإن المتيقن أن ملايين الأسر لن تحصل على الطعام، على الأقل لبعض الوقت.

ليس ذلك فقط، فقد أصدر ترامب فى يوليو الماضى «أمرا تنفيذيا»، لا يحتاج لموافقة الكونجرس، يمنح السلطات الصلاحية لملاحقة المشردين الذين يفترشون الشوارع ووضعهم دون إرادتهم فى مصحات لعلاج الأمراض النفسية أو الإدمان، أو السجون. وعنوان الأمر التنفيذى يفضح رؤية الإدارة لأزمة متفاقمة لا تُعالِج أسبابها أصلا. فقد صدر الأمر تحت عنوان «القضاء على الجريمة والفوضى فى الشوارع الأمريكية». والحقيقة أن ظاهرة المشردين بأمريكا لا تسبب الجريمة وإنما تكشف عن جريمة فى حق المشردين.

فالكثيرون ممن يفترشون شوارع المدن حاربوا بالجيش الأمريكى فى العراق وأفغانستان، ولكنهم بعد تأدية واجبهم الوطنى عادوا بإعاقات دائمة أو ضغوط نفسية أدت لانهيار أسرهم. والتكاليف المذهلة للرعاية النفسية أو الإعاقات أدت بهم للعجز عن دفع قروض المنازل أو إيجاراتها فصاروا فى الشارع. وارتفاع أسعار الإيجارات وندرة الإسكان ذى التكاليف المعقولة مسؤول عن تشرد الآلاف غيرهم. فإصابة أحد أفراد الأسرة بمرض عضال، مثلا، قد يعنى إفلاسها بسبب تكاليف العلاج أو فقدان أحد دخلى الأسرة لبقاء أحد الوالدين بالمنزل لخدمة المريض. وهى ظروف تخلق سلسلة من التعقيدات قد تؤدى للعجز عن دفع إيجار المنزل فيتم طرد الأسرة إلى الشارع. وتلك الظروف كلها تمثل ضغوطا هائلة هى التى تؤدى لتفشى الأمراض النفسية بين المشردين أو لجوئهم للإدمان للتعايش مع قهر قاتل تعرضوا له. والمؤسسات التى تريد الإدارة وضع المشردين فيها، بما فيها السجون، أغلبها مؤسسات تحقق أرباحا بالمليارات من وراء إيواء هؤلاء!

بعبارة أخرى، فى تلك النسخة المتوحشة من النيوليبرالية لا يتم فقط نزع الإنسانية عن الفقراء وإنما تجريم الفقر أصلا!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تجريم الفقر تجريم الفقر



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt