بقلم:منار الشوربجي
حين وقع الحادث الإرهابى على شاطئ بونداى الأسترالى الذى راح ضحيته عدد من الأستراليين اليهود، كنت بالصدفة أتنقل بين محطات الأخبار الأمريكية فكنت شاهدة على تسلسل الأحداث. فقبل أن تعلن السلطات الأسترالية شيئا عن الحادث، كان نتنياهو يقفز لمقدمة التغطية موجها أصابع الاتهام للحركة الداعمة لفلسطين! وقال إنه حذر الحكومة الأسترالية بعد إعلانها الاعتراف بالدولة الفلسطينية واعتبر ذلك القرار مسؤولا عن تزايد معدلات معاداة السامية. وبعد ساعات، قالت تلك المحطات الأمريكية إن الفاعلين من أصول إيرانية، قبل أن يقال إنهما من أصول باكستانية. لكن حين اتضح لاحقا أنهما من أصول هندية اختفت هوية القاتلين من كل الصحف الغربية ولم يبق إلا ارتباطهما بتنظيمات إرهابية!
ولم يمر الأسبوع حتى نشرت الصحف الأسترالية أن إسرائيل تساعد فى التحقيقات الأسترالية «بحثا عما إذا كانت لإيران وداعش علاقة بالحادث»، وأن جهاز الموساد سيتلقى بانتظام تقارير عن سير التحقيقات. ونقلت الصحف أن السفارة الإسرائيلية أكدت صحة الخبر، بينما رفضت السلطات الأسترالية التعليق! والتعاون الأمنى والاستخباراتى الوثيق بين أستراليا وإسرائيل ليس جديدا، لكن إقحام إسرائيل لنفسها فى التحقيقات فى حادث وقع على الأراضى الأسترالية وكان ضحاياه مواطنين أستراليين، لا إسرائيليين، أمر آخر تماما!
الأخطر من ذلك كله هو ما نشرته «وكالة الأنباء اليهودية» عن إرسال مؤسسة «زاكا» الإسرائيلية وفدا لأستراليا، والهدف المعلن هو التعامل مع رفات الضحايا من أجل دفنهم وفق الشريعة اليهودية. ومؤسسة «زاكا» تتبع اليهود الأورثوذكس المتطرفين بإسرائيل وتضم متطوعين تقول إنهم مدربون على مساعدة الضحايا «والعمل مع قوات الأمن للحفاظ على الأدلة الجنائية». والخطورة مصدرها أن «زاكا» هى نفسها المؤسسة التى فبركت عشرات القصص عما جرى يوم ٧ أكتوبر إذ كان «متطوعوها» هم من اخترعوا قصة الرضع الذى قطّعت رؤوسهم حماس ووضعتهم فى الأفران، والسيدة التى بقروا بطنها وأخرجوا من أحشائها جنينها، والطفلين الذين قتلا مع والديهما بمنزلهما. وهى كلها القصص التى أعلنها يوسى لانداو رئيس المنظمة بمؤتمر صحفى وقتها وانهار باكيا أمام الكاميرات. وقد ثبت أنها كلها قصص مختلقة ولم تحدث أصلا بشهادة الصحف الإسرائيلية نفسها! فقد نقلت صحفية هآرتز مثلا أن الأطفال الذين قتلوا كانوا بداخل منزل تم تفجيره بأمر من جنرال إسرائيلى بهدف قتل عناصر من حماس كانوا بداخله، وأنه لم توجد أصلا امرأة حامل بين الضحايا بالموقع الذى زعم لانداو رؤية جثتها فيه. والقصص كان هدفها إضفاء الشرعية على الإبادة التى كانت إسرائيل قد شرعت فى ارتكابها. وفضحت هآرتز وقتها القصة فكشفت أن الجيش كان قد همش وحداته المتخصصة فى جمع الأدلة واستعان بمتطوعى زاكا الذين تلاعبوا بالأدلة الجنائية واخترعوا تلك الروايات. كما أثبتت أن أولئك المتطوعين «ليسوا مؤهلين بخبرات المعامل الجنائية ولا مؤهلين للتعرف على الضحايا ولا معرفة أعمارهم أو طريقة قتلهم إلا عبر شهادة الشهود»! ومع ذلك، ظلت الصحف العالمية، بل وسياسيون مثل بايدن، يرددون القصص ذاتها حتى بعد أن ثبت زيفها.
والواضح أن الحكومة الأسترالية تعرضت لضغوط شديدة جعلتها تقبل بدخول الموساد الإسرائيلى بل ومؤسسة بتاريخ «زاكا» على الخط فى سير التحقيقات. وهو الأمر الذى يطرح تساؤلات جدية حول النتائج التى ستخرج بها تلك التحقيقات فى ضوء المحاولات المستميتة، منذ اللحظة الأولى من جانب إسرائيل بل ونتنياهو شخصيا لاستغلال الحدث لقمع الحركة المتضامنة مع فلسطين فى أستراليا وحول العالم، والمساواة زورا بين التضامن مع الفلسطينيين ومعاداة اليهود!