توقيت القاهرة المحلي 05:57:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام

  مصر اليوم -

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام

بقلم: رضوان السيد

بدأ نقد الاستشراق باعتباره خطاباً استعمارياً في ستينات القرن الماضي (أنور عبد الملك: الاستشراق في أزمة، 1963)، وفي السبعينات طلال أسد (مواجهات استعمارية، 1974). وبلغ الذروة في كتاب: إدوارد سعيد (الاستشراق، 1978). ومع أنه حظي بنجاحٍ هائلٍ حتى في الدوائر الثقافية الأوروبية والأميركية؛ فقد جرى حوله خلافان: الأول من جانب المستشرقين المتضررين، وأبرزهم المستشرق برنارد لويس الذي هاجمه سعيد بقسوةٍ في الكتاب باعتباره مفكراً استعمارياً وصهيونياً. أما الخلاف أو الجدال الآخر فظهر في البيئات اليسارية التي كانت تدعم إدوارد سعيد في الأصل، وباتجاهين: اتجاه اعتبار أن النقد في الكتاب فيه مبالغة ولا يصلح لتفسير تأزم العلائق بين الشرق والغرب، فالاستشراق مجالٌ فرعيُّ ذو بُعد ثقافي هامشي، ولا يُعنى بالعوامل الأساسية في الفكر والعمل والتي تؤثر في الرؤى والمشروعات الكبرى، أو أنه وقع لمدةٍ طويلةٍ أسير مخاصمة الإسلام لاختلافه مع اليهودية والمسيحية. أما الاتجاه الآخر في النقد فيعتبر كتاب الاستشراق خواطرجياً إذا صحَّ التعبير وليس جذرياً على طول الخط. ذلك أنّ سعيداً في نظرته الأساسية يتابع خيانات الاستشراق للقيم الليبرالية الغربية، كأنما لو كان المستشرقون أمناء لتلك القيم في الحرية والمساواة والعدالة لما وقع في تلك الانحيازات الكبيرة. ولذلك نما ذاك التيار السوداوي في تأمل الفكر الغربي والممارسات الغربية والحضارة كلها والمسمى تيار التابع Subaltern بين المفكرين الهنود وفي أميركا اللاتينية، ولدى العرب بسبب القضية الفلسطينية.

وكأنما أحسّ سعيد بهذا «القصور» (للمقارنة كتاب قصور الاستشراق لوائل حلاق، 2018) فكتب في التسعينات من القرن الماضي في الثقافة والإمبريالية، حيث تناول مجالات أساسية في التفكير الغربي والعلم الغربي بالنقد والإدانة في عروضها لمجتمعات الشرق وناسه، وأنها مجتمعات انقسامية تتكون من وحدات صغيرة منفصلة ومتخاصمة حتى في المساحة الاجتماعية الواحدة، لا تجتمع إلاّ بالقوة (قوة سلطة القبيلة الأكبر - انظر عصبية ابن خلدون).

رؤية الانقسام للاجتماع الشرقي بارزة بالفعل في أعمال علماء الاجتماع الكبار مثل كونت ودوركايم وحتى في رؤى وتحليلات كارل ماركس. فالمجتمعات الشرقية انقسامية، والمجتمعات الغربية اندماجية(!)؛ ولذلك حتى كارل ماركس رأى أن للاستعمار بعض الوظائف الإيجابية بتحضير المجتمعات الشرقية وجمعها في دول. وبالطبع، فإنّ هذه الرؤية تتجاهل تاريخ المجتمعات وعيشها في دولٍ وإمبراطوريات آلافاً من السنين. بيد أنّ لدراسة تطورات هذه المقولة أو بالأحرى الآيديولوجيا مكاناً آخر.

إنّ البارز الآن في البحوث والدراسات الأميركية (وأقل الأوروبية) العودة للتركيز على انقسامية المجتمعات، وبخاصة في العالم العربي وأفريقيا. والشواهد على ذلك تحطم الدول (التي أقامها المستعمرون!) وظهور الميليشيات المتنازعة على الثروة والسلطة في كل مكان. وهكذا؛ ومن أجل أمن الناس واستقرارهم لا بد من قوةٍ غالبةٍ هي بالطبع الآن الولايات المتحدة لفرض السلام بالقوة الخيِّرة في مقاصدها وإن لم تكن وسائلها ملائمةً دائماً!

لقد جرى إحياء مقولات الانقسام، لكن الديني وليس الإثني في تسعينات القرن الماضي في كتابات استراتيجيين أشهرهم صمويل هنتنغتون في عمله: صراع الحضارات (1993، 1996)، وحسب هذه الرؤية، فإنّ الحضارات السبع أو التسع الحية تتوحد تحت راية الحضارة الغربية اليهودية - المسيحية باستثناء الحضارة الإسلامية التي تمتلك حدوداً دموية تستعصي على الانضواء أو الاندماج. ومن سوء الحظ أنّ رؤية هنتنغتون الآيديولوجية بدت متجهةً للتحقق في هجمات «القاعدة» ثم «داعش» على «الحضارة» بدءاً بالعالم 2001 وحتى اليوم.

لقد انهمكنا من قبل ومعنا مفكرون غربيون في الرد على أطروحات الأصولية النزاعية في الإسلام. والآن ننهمك في الردّ على الرؤية الانقسامية للمجتمعات المستندة لمقولات الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا من القرن التاسع عشر، واستناداً للواقع الراهن. وكما قال كثيرون منا سابقاً في الغربيين؛ فإنّ راديكاليي تيار التابع Subaltern يذهبون اليوم إلى أنّ تآمر الغرب وحضارته وسيطرته هي علة ما يستشري من اضطراب!

أفلا يمكن التفكير في رؤىً أخرى لاضطرابات الإسلام واضطرابات الإثنيات والقبليات؟ فلا شك أنّ جزءاً من الاضطراب بالدواخل العربية والإسلامية ناجم عن تدخلات دول الجوار، والتدخلات الدولية. وما حصل ويحصل في السودان وليبيا ودول الساحل الأفريقي من تدخلات من دول الجوار ومن الدول الكبرى دليل على ذلك. إنما يبقى السؤال عن أسباب سهولة إحداث الانشقاقات في الإسلام، وسهولة تفكك بعض الدول وتحولها ميليشيات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt