بقلم:منار الشوربجي
تجاهل السوابق التاريخية فى تحليل فوز زهران ممدانى ودلالاته يؤدى للقفز لنتائج يجانبها الصواب. فتجاهلها معناه التركيز على متغيرات لا تمثل جديدا، وغض الطرف عن متغيرات أكثر أهمية منها بكثير. فعلى سبيل المثال، ليس جديدا أن تعتمد حملة انتخابية أمريكية، خصوصا فى انتخابات محلية، على استراتيجية طرق الأبواب. ولا هو جديد حتى الاعتماد عليها فى الحملات الانتخابية لمناصب فيدرالية. وليس جديدا الاعتماد على جيش من المتطوعين. فتلك كلها كانت وراء فوز أوباما فى حملته الأولى عام ٢٠٠٨ وقبله هوارد دين عام ٢٠٠٤. واجتذاب الأجيال الشابة وتعبئة أصواتها عبر الوسائط التى يستخدمونها فى معرفة الأخبار كان وراء فوز أوباما بل وفوز برنى ساندرز الذى يبلغ من العمر ٨٤ عاما! ولأن كل ما سبق ليس جديدا، فإن التركيز عليه دون وضعه فى سياق الذاكرة السياسية الأمريكية يؤدى بنا لتقديرات بالغة التبسيط بل ولنتائج تغالى فى استثنائية فوز ممدانى.
ويضيع وسط كل هذا الزحام الدلالات الأهم لفوز ممدانى، مثل الصعود المتنامى لشعبية التيار الاشتراكى الديمقراطى بأمريكا رغم المحاولات المستميتة لهزيمته من جانب قطاعات نافذة، من بينها لوبى إسرائيل بالمناسبة! وممدانى ينتمى لذلك التيار الذى يتجاهله الإعلام الأمريكى ويقلده للأسف الإعلام العربى! فهو عضو بمنظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين فى أمريكا»، وهى منظمة لها فروع بالولايات الخمسين، ويرجع لها الفضل فى فوز أعضائها حتى بمقاعد الكونجرس، مثل الأمريكية الفلسطينية رشيدة طليب، بل والنائبة ألكزاندرا أوكازيو كورتيز من ولاية نيويورك نفسها التى فاز فيها ممدانى. والمنظمة مسؤولة أيضا عن دعم تقدميين ليسوا أعضاء فيها مثل النائبة الأمريكية الصومالية إلهان عمر والنائبة السوداء كورى بوش التى هزمها لوبى إسرائيل فى الانتخابات الأخيرة. وبرنامج ممدانى الانتخابى مستمد مباشرة من أفكار المنظمة. أكثر من ذلك، فجيش المتطوعين بل والعاملين بالحملة قدمتهم المنظمة. ولأن نظام الحزبين هو المتبع بأمريكا، فسرعان ما ينضوى الاشتراكيون الديمقراطيون، عند فوزهم، تحت لواء الحزب الديمقراطى ليتمكنوا من صنع القرار. وهذا ما يفسر إحجام قيادات الحزب الديمقراطى عن تأييد ممدانى حتى اللحظات الأخيرة. فرغم استفادة الحزب المباشرة من فوز هؤلاء، فإنهم يمثلون التيار التقدمى الذى يظل أقلية بالحزب بينما قياداته من تيارى اليمين والوسط. لكن المفارقة أن تيار القيادات أكثر ارتباطا بدوائر المال السياسى بينما التيار التقدمى هو الأكثر شعبية بين ناخبى الحزب! والاشتراكيون الديمقراطيون كأحد قطاعات التيار التقدمى الأمريكى من الأكثر شجاعة فى التعبير عن مواقفهم فى السياسة الخارجية. فهم لا يخشون مثلا الإعلان عن تأييدهم للفلسطينيين ولمقاطعة إسرائيل. وهم من أوائل من بادروا علنا بانتقاد لوبى إسرائيل ونفوذه.
بعبارة أخرى، فإن فوز ممدانى يعمق الفجوة بين قيادات الحزب الديمقراطى وقاعدته الانتخابية التى صارت تشعر أن تلك القيادات لا تعبر عنها سواء فى قضاياها الداخلية أو فى السياسة الخارجية، بما فى ذلك قضية فلسطين. ومن هنا، فإن سؤال المستقبل الأكثر أهمية يتعلق بالمعركة حول روح الحزب الديمقراطى ومآلاتها. فما ستسفر عنه المعركة هو الأهم على الإطلاق لإحداث تحول حقيقى فى السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية.
لكل ما تقدم، ولأننا ندرك جيدا طبيعة انحيازات الإعلام الأمريكى وتضليله، فإننا حين نتبع خطاه، فنتجاهل ما يتجاهل من مفردات السياسة الأمريكية ونصدق ما يعتبره استثنائيا، فإننا نصرف الانتباه عن متغيرات هى الأكثر أهمية ليس فقط فى تحليل الظواهر الأمريكية المهمة تحليلا موضوعيا، بل وفى تقدير مغزاها وتأثيرها علينا بشكل مباشر.