توقيت القاهرة المحلي 15:47:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يوم آخر من أيام العمر

  مصر اليوم -

يوم آخر من أيام العمر

بقلم:جميل مطر

تلقيت رسالة من صديقة عاشت ضمن حياتى لحظات كثيرة، كتبت تقول «كتبت عنى فى مقال لك عن تطور مهم فى مسيرتك دون أن تكشف عنى، كان لى دور وأنت أشرت إليه، أليس حقا لى أن يعرف غيرنا عن هذا الدور ما تعرف أنت، ويعرف من كانوا معنا، وبعضهم لا يزال يملأ الدنيا نشاطا وصخبا»، نعم صديقتى العزيزة، من حقك أن أعلن الاسم وليس من حقى أن أخفيه عن عمد، ولكن دعينى أعترف لك ولغيرك أنى حاولت ولم أفلح فى كثير من الحالات، لست وحيدا فى هذا المضمار، هكذا أحبط كل كاتب عاش كتوما أو حافظا لأسرار من اختلط بهم من الناس أو عاش بعض حياته فى صحبتهم، انتقدنى أصدقاء قرأوا قبل ربع قرن «حكايتى مع الدبلوماسية»؛ حيث اختفت معظم الأسماء، أظن أنى تحسنت بعض الشىء على مر السنين ربما لأنى كثيرا ما أتشاور مع من يخصهم أمر أكتب فيه أو لأن ذاكرتى فقدت بعض لمعانها فصرت لا أتردد فى طلب المساعدة من آخرين عرفوا كيف يحمون الذاكرة.
***
استيقظت ذات يوم من أيام عام 1994 على ألم تحملته لساعة أو أقل حتى صرنا فى السادسة وصار غير محتمل، أيقظت رفيقتى كاتما أمامها كعادتى أغلب الألم وراغبا فى الانتقال إلى مستشفى، سمعتها تتصل بزميل لابننا وراحت تصف له الألم ليس كما ظهر لها مخففا، ولكن كما قرأت حقيقته فى قسمات وجهى وتهربى من نظراتها، وهى التى كانت دائما نفاذة ودقيقة، ازداد الألم قسوة، أذكر أن ممرضين ظهرا، أحدهما يحمل ما يشبه السرير المعدنى سمعت فيما بعد أنى رفضت أن أستلقى فوقه، وبالفعل نزلت الدرج مستندا إلى ممرض، فهمت وقتها، أو قيل لى بعدها، أن زوجتى لجأت لزميل ابننا بعد أن جربت أطباء متخصصين فلم يرد على اتصالاتها أحد منهم، كان اليوم جمعة وكنا فى بدايته، تصادف أن الطبيب الشاب قضى ليلته بمستشفى خاص يعمل به متدربا وعرض أن يستقبلنى فيها لإجراء الفحوصات الضرورية واتخاذ ما يلزم لوقف الألم، استطاع بسلطاته المحدودة إرسال سيارة إسعاف وفشل فى حجز غرفة خاصة فى قسم الرعاية المركزة وفى استدعاء أطباء متخصصين كبار حسب إصرار زوجتى التى لم تقتنع بحجة الجمعة كيوم عطلة أو أن الصباح لا يزال مبكرا.
***
أظن أنه تم عزلى تماما عن عائلتى والأصدقاء القريبين الذين بدأوا يتوافدون لتزدحم بهم صالة الانتظار، لم أكن واعيا بقية اليوم لتطور الأحداث داخل هذا المستشفى الصغير الواقع على مدخل إمبابة، الحى الشعبى الأشهر بكثافته السكانية وماضيه السياسى وحاضره الثورى، ولكنى استطعت فى الأيام اللاحقة تجميع عدد من الشهادات الحية والروايات المتداولة عما حدث فى ذلك اليوم الذى وصفه أحد الأقرباء بأنه للعائلة كان يوما صعبا ومجيدا فى آن واحد، أما أنا فقد اعتبرته وسجلته فى أوراقى يوم بعث جديد، تعبير البعث الجديد لم أكن أنا صاحبه بل جاء على لسان أحد الزوار من بين قليلين قد يأتى ذكرهم فى السطور التالية، أصر هذا الزائر على أن ينقل عن طبيب غير متخصص حضر لبعض الوقت قوله إن عمر هذا المريض كاد يفلت، ولعله بالفعل أفلت لبعض الوقت ثم أعيد بقدرة قادر.
***
سارت الأمور فى المستشفى ببطء لا يتناسب ونفوس من حولى تغلى، زوجتى تطلب طبيبا أشهر وانتقالا على الفور إلى مستشفى دولى أحسن تجهيزا، أطباء المستشفى يرفضون الموافقة على اقتراح الانتقال فالحالة متدهورة والمريض غير واع لاتخاذ قرار، لا أحد فى المستشفى مستعد لتحمل مسئولية النقل، فجأة تغير الوضع، اتصلت ابنتنا الصغرى من البيت، أبلغت أمها أن الأستاذ فهمى هويدى اتصل بالبيت وطلب محادثة أبيها.. كان فهمى يتصل عادة ليتأكد عن صدق أو فحوى معلومة وردت فى مقال لى، لم يكن فهمى هويدى وحيدا فى تمسكه بهذه العادة، أنا شخصيا درجت على استخدامها منذ السنوات القليلة التى قضيتها فى جريدة الأهرام وبخاصة بعد أن لاحظت أنها سمة من سمات الكاتب والصحفى المتميز، هيكل لم يتردد فى استخدامها ولا بهاء الدين أو شباب الصحفيين اللامعين مثل مكرم محمد أحمد وصلاح منتصر وصلاح الدين حافظ وآخرين تعلمت على أيديهم فى مرحلة مبكرة من حياتى فنون مهنة رائعة.
اعتذرت الابنة للأستاذ فهمى بأن أباها فى المستشفى وكانت تبكى، دقائق واتصل فهمى بزوجتى وسمع الشكوى من البطء وصعوبات فنية ونقص فى الأدوية وعدم وجود طبيب، وعدها بالتصرف على الفور فهو صديق لرئيس المستشفى، بعد ساعة كانت المستشفى تغلى بالحركة والنشاط وزوار جدد منهم الأستاذ هيكل، سألت فهمى إن كان هو من أبلغ هيكل بحالتى، لم تسعفه الذاكرة وإن كان يعتقد أن زوجتى هى التى اتصلت به تطلب المساعدة، وصفت ابنتى الوضع فى المستشفى فى أعقاب وصول هيكل قائلة «تحولت المستشفى إلى ورشة عمل يقودها هيكل، وفى أحيان كان صوته يرتفع بالغضب فيسمعه الدانى والقاصى فى المبنى، سمعته يقول لطبيب مشهور وصل للتو مستدعى منه أن معه تكليفا من رئيس المستشفى بتولى المسئولية كاملة».
***
تردد عن سبب غضب الأستاذ هيكل أن الأطباء لم يجدوا فى المستشفى الدواء الذى لا يستغنى عنه طبيب معالج لحالة سكتة قلبية عنيفة، راح الرسل من العائلة والأصدقاء يبحثون فى الصيدليات القريبة عن زجاجة أو مجرد جرعة، باءت بالفشل كل المحاولات بينما حالة المريض تتدهور إذ كان قد مضى أكثر من اثنى عشر ساعة منذ سددت الجلطة ضربتها الأولى، حل الليل وازداد عدد الزوار والأطباء والجميع فى انتظار الدواء، مرت الدقائق ثقيلة قبل أن يهمس فيه أحد الحاضرين فى أذن هيكل، عادت الابتسامة، نهض من مقعده واتجه إلى حيث كانت زوجتى فى غرفة تخضع لعلاج أزمة ناتجة عن الخوف والقلق، قال إنه يأتى إليها بعد أن اطمأن إلى أن الدواء قادم فى الطريق، يحمله الدكتور على هيكل نجله الأكبر والطبيب فى مستشفى قصر العينى، هناك وجد الدواء.
***
بعد حقنة الدواء المضاد لتجلط الدم أعلن أشهر الأطباء المحيطين بالفراش أن المريض سوف يخضع لعزلة مدتها ثلاثة أيام، هى الفترة التى يتوقعون أن تتكرر الأزمة خلالها أو تزول الغمة، غادر الكثيرون وبقى قليلون لم تنفع معهم توسلات الممرضات، انتصف الليل أو كاد على بعض أفراد العائلة وأصدقائها بعد أن وزعوا الأدوار على أنفسهم، وبينما كان الأقربون إلى غرفة الرعاية بين النوم واليقظة ظهر بطول الباب وعرضه راهب برداء الرهبنة ورموز التقديس وهيبة الكنيسة وغموضها، عرف الحاضرين بنفسه «أنا الراهب أ.أ. من كنيسة () بمصر القديمة، جئت أحمل رسالة للأستاذ ج. م شفاه الرب»، اقترب من الراهب أفراد فى العائلة مرتعشون بالقلق ليهمس أحدهم فى أذن الراهب مستفسرا عن هوية فحوى الرسالة وهوية المرسل فقوبل طلبهم بالاعتذار، ألحوا وأصر الراهب قائلا «الرسالة من مرسل لا يرفض له طلب»، تعمق الذعر فى نفوس الحاضرين بينما ظلت ممرضة قوية الإيمان تحاول رفع الخوف وتهدئ الروع، راحت تشيد بالراهب ومكانته وتتوسل لدى العائلة للموافقة على أن يلتقى بالمريض فى حضورها، وبالفعل تم اللقاء بين الراهب حامل الرسالة ومريض يكاد يكون غائبا عن الوعى، المثير فى الأمر أن الذاكرة على ضعفها لم تمح إلى الآن صورة الراهب وهو يقرأ من الكتاب المقدس.
***
أمس، أى بعد مرور ما يقارب ستة وعشرين عاما وقبل أن أختم هذه السطور، دفعنى الفضول مجددا، عدت أبحث عند أصدقاء عديدين عن مكان وحالة شخص بعينه كنا نتشارك فى صداقته، حصلت بعد ساعات من الاستقصاء على رقم هاتف إلكترونى، واتصلت ودار حديث امتد ساعة فى نهايته سألت «أنت أرسلت الراهب والرسالة؟» أجابت «نعم كنت أنا، ولست نادمة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوم آخر من أيام العمر يوم آخر من أيام العمر



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt