توقيت القاهرة المحلي 01:14:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليتهم كالشجر

  مصر اليوم -

ليتهم كالشجر

بقلم: خولة مطر

تعرت هى سريعا، رمت بأوراقها بدرجات الأصفر أو ما بينه وبين الأخضر الباهت.. خففت من حملها ووقفت تناطح السماء أو تتطلع إليها وهى تدرك أن بعض الغيم خير وكثيره سيل.. باتت عصافيرها تبحث عن ورقه تلتحف بها من نسمة باردة وزخات مطر خفيفة.. الأشجار تعرف أنها أجمل كلما تنوعت تغيرت وتعرف أن بقاء الحال صعب ويدعو للكسل غير الممتع لا ذاك اللذيذ بعد يوم تعب.
***
تغطت الأرض تحت أقدام الشجرة بتلك، لبست ثوبها الجديد وخلقت جمال لا يعرفه إلا المبدعون فالمارة قد اعتادوه أو ربما لا يشكل لهم هذا الطقس إلا فصل شتاء قد يطول بعض الشىء ويشتاقوا هم لدفء أشعة الشمس التى تمنعها الغيوم الحبلى بالمطر من أن تضيف بعض الدفء إلا أحيانا.
***
تقف الأغصان حضن للعصافير التى خاوتها طويلا حتى لو لم تعد قادرة أن تمنحها عش تضع فيه صغارها أو تحتمى به من أعين الصيادين الذين يعترفون أن صيد العصافير هواية فيما يقول لهم ذاك «استضعفوك فقتلوك ليتهم قتلوا الذئب». كثيرا من عرفوا هذا الطقس رسموه فى لوحات أو مخيلة أو ربما فى قصيدة شعر أو أغنية. هم يتغنون به موسما آخر للعشق رغم أن لا موسم للعشق فكل العصافير تحمله معها فى هجرتها وترحالها.
***
فيما الشجر يتلون يفضل البشر اللون الواحد يكرهون أو يتعبون من التغيير بل بعضهم يردد «الله لا يغير علينا» وكأن فى التحول شىء من الفناء بدلا أن يكون ولادة جديدة. لا يحب البشر أن يعاشروا إلا من يشبههم لا يعرفوا أن يتعايشوا إلا من ضاق طعم اللون الواحد القاتل! يبقون حريصين على ما لديهم حتى عندما يضطروا للرحيل بعيدا بحثا عن حياة أفضل وتبدو أوطانهم ذكرى جميلة يعزلون أنفسهم عن المجتمعات التى يرتحلون لها منطلقين من مبدأ أنها تحمل لهم كل ما هو خير.. يقسمون الخير إلى أقسام فلقمة العيش أو رفاهيته أو تقدير تلك المجتمعات لهم ومنحهم ما لا يحلمون به كثيرا وهو أن يكونوا على نفس الدرجة فى الحقوق والواجبات كما المواطنين الأصليين الذين ولدوا على تلك الأرض البعيدة. يتجمعون فى كانتونات، كلهم يتشابهون فى اللبس والطعام والعادات.. يبقى للرجال فضاءاتهم وللنساء الغسل والطبخ وتربية الأطفال.. هم يخافون أن يقضى التغيير على ما تبقى لهم. يلتصقون بعادات لا تلائم المجتمعات الجديدة بل ينتقدونها وكأنهم يختارون منها ما يشاءون تعجبهم الحرية واحترام الحقوق والأجور وفرص العمل ويكرهون أن نساءها «عاريات» كالأشجار فى موسم خريفهم! ودورها قد تخطى تلك الجدران التى خلقت «لتحميها» من الذئاب البشرية حتى يرقدونها فى شبر من تراب.
***
وماذا عن من تبقى هناك فى الأوطان البعيدة المعجب بكل شىء قادم من العواصم المزينة بتلاوين الحياة المتنوعة؟ ماذا عنهم؟ هم أيضا يختارون من ذاك ما يبقيهم على ما هم عليه. لا يريدون الحريات ولكن يستهلكون كل ما يكتشف ويصنع هناك. لا يريدون حرية تعبيرهم ولا الحق فى الاختيار والاختلاف ولا القانون المستقل الذى يحمى حقوق الفرد والمجتمع وأجهزة الرقابة على الفساد لا على القبل البريئة! يريدون نساء فى فاترينات الوزارات والمراكز ليرددوا ماذا تريدون منا ها هى نساؤنا تتساوى فى المراكز! وأحيانا يرددون نحن أيضا ديمقراطيون جدا عبر صناديق بالية اعتقد البعض أنها أصل الديمقراطية والتعبير الوحيد عنها فيما أجهزة الأمن تطارد المغرد الذى يطرح رأيا آخر أو خطابا لا يتماشى مع الكلام المكرر على التوتر والرافض للآخر بل الذى ينفى وجوده وأحيانا يطالب بطرده من «جنات» الوطن غير مدركين أن المواطنة هى الأخرى من الحقوق التى لا حق لأحد فى أن يغتصبها كما نسائهم..!
***
لا يتعلمون هم من الشجر رغم أنه يسكن على مقربة من بيوتهم وشوارعهم ومراكزهم التجارية الفارهة بل إن بعضهم تحدى الطبيعة وخلق حدائق بداخل تلك المراكز وكأنهم يقولون نحن نقدر بأموالنا المتراكمة أن نأتى بالأمازون إلى الصحراء والقطب المتجمد عند أبوابنا.
ليتنا نعرف أن متعة الشجر فى تلاوينه واختلافاته وكذلك البشر فلا اللون الواحد ولا الرأى الواحد يخلق أوطانا لا تهرب منها العصافير والنوارس.

وقد يهمك أيضًا:

هربوا هم فماذا تبقى لنا؟

ربما وطن، ربما حقيبة سفر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليتهم كالشجر ليتهم كالشجر



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt