توقيت القاهرة المحلي 01:56:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقامرة أردوغان الأخيرة!

  مصر اليوم -

مقامرة أردوغان الأخيرة

بقلم - عبد الله السناوي

إنه انقلاب صريح على الديمقراطية يصعب تسويغه، أو ادعاء عكسه.

فى توقيته وسياقه وأسبابه المباشرة بدا اعتقال رئيس بلدية إسطنبول «أكرم إمام أوغلو» بالطريقة التى جرت بها انقلابا منذرا بتداعياته على مستقبل الديمقراطية التركية وأدوارها فى محيطها وعالمها.

وفق استطلاعات الرأى العام فإنه المرشح الأوفر حظا فى الانتخابات الرئاسية المقبلة (2028)، التى يفترض بنصوص الدستور ألا يسمح للرئيس الحالى «رجب طيب أردوغان» بالترشح فيها.

تعديل الدستور سيناريو محتمل، والانتخابات المبكرة عام (2027) سيناريو محتمل آخر لتجاوز العائق الدستورى، الذى يسمح فى هذه الحالة بترشح الرئيس لدورة ثالثة بالتحايل.

سواء عدل الدستور، أو أجريت انتخابات مبكرة فإن «أكرم أوغلو» الأقرب إلى ربحها بغض النظر عمن يترشح أمامه باسم الحزب الحاكم، «أردوغان»، أو من يختاره.

كانت تلك سردية حزب الشعب الجمهورى، الذى أسسه «مصطفى كمال أتاتورك» بعد إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية، فى مواجهة سردية أخرى غير متماسكة وغير مقنعة لحزب «التنمية والعدالة، الذى أسسه «أردوغان» متبنيا خطا محافظا حاول أن يزاوج فيه بين الإسلام السياسى والعلمانية الأتاتوركية.

وفق السردية الرسمية فإن القضية جنائية لا سياسية، التهم تنسب إليه فسادا فى إدارة بلدية إسطنبول والاتصال بحزب العمال الكردستانى المصنف إرهابيا فى الخطاب التركى.

يستلفت الانتباه أن ذلك الاتهام يناقض ما تجريه الرئاسة التركية من مفاوضات وحوارات شبه معلنة مع زعيمه «عبدالله أوجلان» بهدف تفكيك قوته العسكرية ودمج الأكراد فى البنية السياسية للبلد. تهم الفساد قد تصح أو لا تصح، هذه مسألة تحقيق وإسناد بالأدلة.

السؤال هنا: لماذا لا تفتح ملفات التجاوزات المالية فى البلديات كلها، الموالية والمعارضة على قدم المساواة، بدلا من أن تستخدم الاتهامات المرسلة لتصفية الخصومات السياسية؟

فوق ذلك كله ما مسوغ اقتحام أعداد كبيرة من قوات الأمن منزل «أكرم أوغلو» فى الصباح الباكر وتفتيش كل ركن فيه بحثا عن أى دليل يدينه. نحن نتحدث عن مئات الضباط والجنود.

بأثر الصورة السلبية للغاية التى لحقت بـ«أردوغان» نفى صلته بالطريقة التى اعتقل بها «أكرم أوغلو»، كما لو كان زعيما للمافيا التركية لا رئيسا لأكبر وأهم بلدية فى البلاد. لم يكن هناك تسويغ آخر لاتساع حجم الاعتقالات السياسية لتشمل نحو (100) آخرين من دائرة مقربيه. إنه تعمد الترويع والإهانة.

أدانت طريقة الاعتقال المنظمة الحقوقية الدولية «هيومان رايتس ووتش» ودوائر أوروبية سياسية واسعة ووصفتها بأنها حملة قمع. المعارضة استشعرت أنها مستهدفة فى أدوارها ومستقبلها، وأن القواعد الديمقراطية على وشك الانهيار.

نشبت احتجاجات شعبية فى شوارع إسطنبول رغم منع التظاهر لأربعة أيام لتحجيم رد الفعل.. وتهاوت الليرة التركية بمعدلات غير مسبوقة.

ساعدت الكلمات الأخيرة، التى سجلها رئيس بلدية إسطنبول قبل اعتقاله مباشرة، فى إلهام الاحتجاجات: «لن أتراجع... سأسلم نفسى للشعب، وأقف شامخا».

الأزمة فى أولها ويصعب توقع تداعياتها على مستقبل تركيا. إنها مقامرة سياسية بالمعنى الكامل. إذا أغلقت المنافذ السياسية تتقوض الشرعية ويصبح كل شىء محتملا وواردا.

لم يكن ما حدث مفاجئا تماما، فقد توالت الإشارات بالسنوات الأخيرة واحدة إثر أخرى أن تركيا توشك على دخول أزمة سياسية عميقة. فى الانتخابات البلدية الأخيرة، مارس (2024)، فارقت نتائجها أية توقعات وتكهنات مسبقة بأن يكتسحها «أردوغان»، كما العادة حيث لم يخسر أى استحقاق انتخابى منذ صعوده إلى السلطة عام (2003) رئيسا للوزراء ثم رئيسا للجمهورية بصلاحيات واسعة بعد تعديل الدستور.

لأول مرة حلّ العدالة والتنمية ثانيا بعد غريمه التاريخى الشعب الجمهورى. لم يقدر الحزب الحاكم على حصد أية بلدية كبرى، أو استعادة أية بلديات فاز بها حزب «الشعب الجمهورى» فى عام (2019).

كانت إعادة انتخاب «أكرم إمام أوغلو» فى إسطنبول لطمة هائلة لـ«أردوغان» ورسالة إلى المستقبل المنظور، إنه قد يكون الرئيس التركى فى أول انتخابات رئاسية مقبلة. «أردوغان» نفسه صعد إلى السلطة من موقعه رئيسا لبلدية إسطنبول. باعترافه هو نفسه فإن الهزيمة الانتخابية بالانتخابات البلدية «نقطة تحول».

كان ذلك تصويتا عقابيا على خلفية الأزمة الاقتصادية والحرب على غزة حيث استحكمت الأولى وتعرضت سياساته فى الثانية إلى انكشاف غير مسبوق.

لم ينتظر «أردوغان» أية مواجهة مع المنافس الشاب فى صناديق الاقتراع. استخدم سلطة الدولة فى إلغاء شهادته الجامعية بحجج إدارية واهية بعد (35) عاما من الحصول عليها فى جامعة إسطنبول حيث لا يكون ممكنا الترشح الرئاسى، على ما يقضى النص الدستورى.

إقصاء المرشحين الأقوياء المحتملين يصادر حق الاختيار الديمقراطى من المنبع. كان ذلك انقلابا على إرث «أردوغان» نفسه.

فى السنوات الأولى بدت إسطنبول مدينة عصرية منفتحة على عالمها ولديها آمال واسعة فى بناء قوة اقتصادية كبيرة وتحسين مستويات شعبها.

تزاوجت الأوضاع الداخلية الملائمة والأحوال الإقليمية المتغيرة بعد احتلال العراق (2003) فى بناء قوة دفع لدور تركى جديد يعتمد على قوتها الناعمة قبل أى شىء آخر، غير أن الرهانات على «العثمانية الجديدة» سرعان ما تقوضت ودخلت تركيا فى حزام من المشاكل والأزمات مع دول عربية عديدة ومؤثرة، كأنها انتقلت فجأة من شعار «صفر مشاكل» إلى أحوال «كل المشاكل».

فى لحظة صعود محتمل للدور التركى كقوة إقليمية مؤثرة فى حساباته وموازين القوى فيه إثر سقوط دمشق تبدت هشاشة أوضاعه الداخلية وأن مستقبل «أردوغان» نفسه بات فى مهب عواصف المتغيرات.

إنها مفارقة تراجيدية فى مقامرة «أردوغان» الأخيرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقامرة أردوغان الأخيرة مقامرة أردوغان الأخيرة



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt