توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصحافي الأول والصحافي الأخير

  مصر اليوم -

الصحافي الأول والصحافي الأخير

بقلم: سمير عطا الله

وسط هذا الجدال العربي والعالمي حول الكتاب الورقي والصحافة الورقية، صدرت عن «دار الفارابي» في بيروت، ترجمة للمقالات الصحافية التي كتبها غابرييل غارسيا ماركيز بين 1974 و1975 تحت عنوان، «بلا قيود». هذه المقالات تناقض كل القواعد الحديثة في الصحافة: مطوّلة غير مختصرة، مليئة بالتفاصيل، وبطيئة. غير أنها تلك الصحافة التي أوصلت ماركيز إلى نوبل الآداب ورُصّعت العام الماضي بأهمّ إعلام المهنة في كل العالم.
هل سيقرأ قارئ اليوم صحافياً مثل ماركيز؟ أنا أكيد من ذلك لأنه في قراءة كل هذه التفاصيل سوف يجد متعة الرواية وطعم الأسلوب، ويدرك ماذا يحرّك التاريخ. ليس صحيحاً أن الإنسان الحديث لم يعد يمتلك الوقت، وأنه يكتفي من معرفة الأحداث وفهمها ببضعة ثوانٍ إخبارية، أو بما تقدّم له الـ«توك شو» من تحاليل. والدليل، الروايات التي تُباع منها ملايين النسخ. الطبعة الأوروبية من الـ«نيويورك تايمز»، كلّها عبارة عن تحقيقات ومقالات مطوّلة. ومع ذلك بلغ عدد مشتركيها رقماً لم تعرفه في تاريخها. إذن، المسألة هي مَن الذي يكتب، وليس حجم المكتوب. تقرأ مقالات ماركيز اليوم كأنك تقرأ في كتاب تاريخي ممتع. تفهم أكثر معنى الأحداث التي مرّت بك كما مرّت بالعالم أجمع. وتتمنى لو أنك قرأتها يومها، بقلم ماركيز. أو قلم مشابه. وتدرك بعد مرور السنين على تلك الكتابات ذلك الفارق الهائل بين التفاصيل والحشو. هكذا يتحوّل العمل الصحافي العابر إلى أدب كلاسيكي يدوم. ولست أعرف بالتأكيد، لكنني واثق بأن كلّيات الإعلام في جامعات الأميركيتين تفرض مراسلات ماركيز دروساً إلزامية. في «من دون قيود»، تبرز مهارة الكاتب رسّام الأشخاص. كيف تحوّل فيدل كاسترو من وجه نحيل شاحب إلى وجه مليء. وكيف أن الزعيم الكوبي الملتحي ظلّت لحيته غير كثيفة طوال عمره، مثل مراهق؛ لأنها لا تنمو.
كان ماركيز ينقّب في التفاصيل بلا تعب وبلا نهاية ومن ثم ينتقي منها ما يكمل لوحته وألوانها. وإذ تبحث عن الصحف التي نشر فيها هذه المقالات، تجد أنها صحف عادية، محدودة التوزيع في كولومبيا. لكنه عمل عليها وكأنه يكتب لأهمّ صحيفة في العالم. إنها قاعدة لا يمكن أن تخطئ، ذلك القول الكريم: «إن الله يحبّ، إذا عمل أحدكم عملاً، أن يتقنه».
إذا أردنا للصحافة الورقية أن تبقى، وللرقمية أن تزدهر، ما من فلسفة جديدة. لم يتغيّر شيء منذ أيام هيرودوتس الذي يُقال إنه أول صحافي في العالم: مثل ماركيز، جاب البلدان وقابل الناس وعمل حتى اللحظة الأخيرة كأنه يعدّ مقالته الأولى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصحافي الأول والصحافي الأخير الصحافي الأول والصحافي الأخير



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt