توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مفكّرة قرية

  مصر اليوم -

مفكّرة قرية

بقلم: سمير عطا الله

لم يُرزق رياض الصلح، أول رئيس وزراء استقلالي في لبنان، بأبناء، بل بخمس بنات عُرفن آنذاك باسم «كريمات الزعيم الخالد»، علياء ومنى ولمياء وبهيجة وليلى. كان يفترض أن ترث علياء العمل السياسي بعد اغتيال والدها في عمّان. إلا أن الزواج أبعدها عن ذلك إلى حين. ومن ثم دخلت العمل السياسي بالانضمام إلى جبهة المعارضة للرئيس فؤاد شهاب، من خلال انتسابها إلى «النهار»، حيث كان مقالها الأسبوعي «يهزّ البلد»، حسب التعبير اللبناني. منذ ذلك الوقت، أصبحنا في دائرة «الست عليّا»، ومحضرها، ومجلسها. وكانت تحيط بالعالم وأخباره وأجوائه أكثر من أي صحافي آخر. وبعد اندلاع الحرب، استقرّت في باريس، حيث تصرّفت كأميرة من أميرات الأدب والسياسة والفكر. وكانت لها مواقفها، الصلبة غالباً، تعاند بابتسامة فيها من الحزم أكثر مما فيها من الاستحسان. وإلى جانب ذلك كله، كان لها شغف بالثقافة واللغات والأدب. ولم تكن تفوّت معرضاً من معارض الكتب بكل مكان، وكان مشهداً مألوفاً أن تراها تتنقّل في الأجنحة ومعها حمّالان ينقلان الحصاد.
جمعتني بـ«الست عليّا» مودّة دامت حتى غيابها المحزن، وكما مع جميع أصدقائها، كانت تسأل دائماً عن أخبار الأولاد والعائلة، ولا تترك مناسبة تمرّ من دون ذوقها الرفيع وأخلاقها العالية. وعندما أصدرت كتابي «قافلة الحبر»، قرّرت أن المسألة تحتاج إلى احتفال. وكان ذلك بالنسبة إليَّ أهمّ احتفال بكتاب لي من بين نحو عشرين كتاباً. في جملة الحرص العائلي بين «الست عليّا» وبيننا، أنني أخبرتها ذات يوم، بأنني أنوي بناء منزل في قريتي، لأن تلك كانت وصية أبي، الذي اشترى الأرض ولم يستطع البناء عليها. قالت لي، هل هيّأت المكان؟ قلت نعم. قالت، هل هيّأت مكاناً للعريشة؟ (الدالية). فوجئت بالسؤال لأن العريشة لم تكن في همومي، وفوجئت أكثر أن تطرح السؤال سيدة بيروتية لا علاقة لها بالقرى والجبال. ولما أجبتها بأنني لم أفكر في الأمر بعد، قالت: «وهل يستقيم منزل في قرية من دون عريشة أمامه، تتفيّأ ظلّها وتتمتّع بمنظر عناقيدها الذهبية وتسمع حفيف أوراقها؟».
لست في حاجة إلى مناسبات لكي أتذكّر علياء الصلح، وذلك المستوى شديد الارتقاء من الصداقة. أعيد الآن قراءة رواية «زوربا» للإغريقي العظيم نيكوس كازانتزاكيس. التحف الجميلة تقرأ كل مرّة، وكأنها المرّة الأولى. في هذا المشهد، نرى البحّار زوربا يحاور معلّمه البريطاني، وقد جلسا تحت عريشة في جزيرة كريت: «أدار زوربا عينيه، وفتح ذراعيه على مداهما وكأنه يريد أن يعانق العالم وهتف مذهولاً: ما الذي يحدث أيها الرئيس؟ ما هذه السعادة، ما هذه الحياة أيها الرئيس؟ قل لي بشرفك ما هذا الذي يتدلّى فوق رؤوسنا، أهو عنب أم ملائكة، أهو فيء أم سعادة؟ لقد تحوّل كل شيء إلى جماد».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مفكّرة قرية مفكّرة قرية



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt