توقيت القاهرة المحلي 10:31:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عسل منفلوط

  مصر اليوم -

عسل منفلوط

بقلم: سمير عطا الله

كان عباس محمود العقاد ومصطفى لطفي المنفلوطي، مدرستين مختلفتين. أو بالأحرى كان كل منهما صاحبَ مدرسة مناقضة للأخرى. فالمنفلوطي كان ميَّالاً إلى الحزن والكآبة والتأوّهات، ويُلحظ ذلك من عناوين الكتب التي وضعها، أو ترجمها. مثل «العبرات»، أو «ماجدولين - تحت ظلال الزيزفون»، الذي ظلَّ قرّاؤه ينوحون على نواحها حتى انقضاء النصف الأول من القرن العشرين. أما العقّاد، ذلك البحر من الثقافة والقراءات والتعمّق في التيارات الفكرية، فقد كان متأثراً بالفكر الألماني ونزعة الإنسان المتفوق، وتحديداً من قرّاء نيتشه صاحب المطالعة الشهيرة «هكذا تكلم زرادشت».
وفي مرحلة مبكرة من حياته، دخل العقّاد سلك التعليم بحثاً عن دخل إضافي. واكتشف، مرتعداً أن القاعدة الأولى في المنهج الدراسي تفرض على طلاب الإنشاء وصية واحدة؛ اقرأ كتب المنفلوطي، واكتب على مِنواله. يقول: «وكانت موضوعات الإنشاء كلها تنتهي بالبكاء على بطل من الأبطال المألوفين في النظرات والعبرات. وهم كلهم أناس يبكون ويُبكى عليهم، لأنهم مخذولون منكسرون أو مُضيّعون في ذمم الآلام وقرناء السوء، وقِلة منهم مسؤول عن خيبته، أو قادر على إنصاف نفسه والاقتصاص ممن يجني عليه».
حاول العقّاد أن يدعو تلامذته إلى تغيير هذا النمط البُكائي، فكانوا يحاولون، لكنهم يعودون سريعاً إلى المنفلوطيات وذرف الدموع. وآهٍ، ثم آهٍ، ثم آهٍ. وخطر للعقّاد أن يستعين على غريمه الأدبي بأسلوب اختباري، أو مَخبري. فذهب إلى طبّاخ المدرسة، وسأله إن كان هناك نوع من البصل أكثر حدة من بصل الصعيد. فاستنكر الطباخ مجرد السؤال قائلاً إنه لا يوجد في الأرض قوة قادرة على تحريك الدموع في الأحداق مثل البصل الصعيدي الأصيل. عندها، طلب العقاد من صاحبنا أن يوزع البصل النيء على التلامذة من أجل إقناعهم بأن في البصل قوة لتحريك الدموع في الأحداق أكثر من القدرة المنفلوطية.
كان الرجلان يلتقيان من حين إلى آخر في إحدى مكتبات القاهرة. ووفقاً للعقّاد فقد كانت الأحاديث بينهما تقتصر على العموميات وأحوال الطقس وأحوال الناس وأخبار مصر، من دون التلميح إلى أي نقاش ثقافي أو أدبي. ويبدو أن قصة البصل المبكي وصلت إلى المنفلوطي، لكنه آثر ألّا يفاتح العقاد بالأمر. بل كَتَم في نفسه شعوره بالإهانة؛ خصوصاً أن شهادة العقّاد بالأدب والأدباء كانت من النوع الذي يحيي أو يميت.
وذات مرة التقى عملاقا الأدب المصري في المكتبة كالمعتاد. وقد حاول العقّاد التهرب، لكن المنفلوط ألقى عليه التحية من بعيد. ودخل الاثنان كالعادة في حوار حول كل الأشياء إلا القضية التي تُشغلهما وتُشغل مصر الأدبية معهما. وقبل أن ينتهي اللقاء في «المكتبة التجارية» وجّه المنفلوطي دعوة صادقة لصاحبه إلى الغداء باللهجة البلدية المعروفة عنه. فاعتذر العقّاد قائلاً إنه لا يريد أن يكلف الداعي الوقت والمال. ويُكمل العقّاد الرواية قائلاً:
«فعاد يقول بتلك اللهج

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عسل منفلوط عسل منفلوط



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt