توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

براءة المدائح

  مصر اليوم -

براءة المدائح

بقلم: سمير عطا الله

كان بديهياً أن يتأثّر الشِّعر الأندلسي بالشِّعر الأمّ القادم من الشرق. وربما توقّع البعض أن يتجاوز الشِّعر القديم ويتنقّى من بعض مثالبه، لكنه ظلّ نسخة عنه، كما يقول الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة، أستاذ الآداب في جامعة عنابة. ومن العيوب، المبالغة في المديح، إذ يباشر به بعض الشعراء من دون توطئة كما هو معهود. ويُذكر أن هلال البياتي مدح ابن حمدين قاضي قرطبة بقصيدة استهلّها بالمدح، فقال له القاضي: «ما هذا الوثوب على المدح من أوّل وهلة، ألا تدري أنهم عابوا ذلك كما عابوا الطول أيضاً، وأن الأَولى التوسّط؟».
ورغم أن شعراء الأندلس عاشوا في بيئة من الخضرة والأنهار، فقد شعروا بالحنين إلى ديار آبائهم، وامتدحوا الفلاة والناقة والبادية. وعلى جري آبائهم، كانوا يختمون قصائدهم المدحية غالباً بكلمة إهداء إلى الممدوح، وما خلت من التملّق والاستعطاف والخنوع.
يقول الدكتور بوفلاقة إن معظم المدائح كانت موجّهة إلى ملوك الأندلس وأمرائه، وهو ما يلاحظه بطرس البستاني في كتابه «أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث» (دار الجيل). ويقسّم بوفلاقة المدح في الأندلس إلى قسمين: الصفات التقليدية التي تستهوي الممدوح، كالشهامة والكرَم، والثاني، وصف انتصارات الممدوحين واعتبارها نصراً عظيماً للإسلام والمسلمين. ودائماً يبذل شاعر المدائح جهداً واضحاً في انتقاء الكلمات، بين الجزالة والفخامة والرقّة والسهولة.
اتّخذ الدكتور بوفلاقة الشاعر ابن دراج القسطلي نموذجاً لدراسته في هذا الباب. وبحث عن الأسباب التي تسوّغ أو تبرّر المغالاة في المدائح عند الشعراء. فابن دراج، على سبيل المثال، كان من عائلة ذات سلطان، قبل أن يحطّ به الدهر. ولذلك مهّد لقصيدته بشيء من التعليل. صوّر بأسى وداع زوجته وسفره إلى الممدوح، وهي ظاهرة قد لا يشاركه فيها شاعر عربي آخر، ولعلّ من أسباب ذلك تلك الظروف الخاصة التي أحاطت بابن دراج من شدّة حساسيّته بأولاده إلى قسوة الأيام عليه وعليهم؛ فمن يتتبّع مسار ابن دراج القسطلي يُرجع غلبة المدح على شعره إلى أن هذا الشاعر عاش تحت إلحاح ظروف معيّنة؛ فقد بدأ حياته الفنّية، وختمها، شاعراً رسميّاً، يعمل في خدمة الحكّام والرؤساء، من المنصور بن أبي عامر، إلى يحيى بن المنذر التيجيبي، وبعض ظروفه ترجع إلى أحواله الخاصة، وبعضها يرجع إلى الأحوال العامّة التي سادت في عصر الشاعر، وقد كان أجداده من سادة بلدة قسطلة وحكّامها، أي أنه ألف العيش الرغد والحياة الناعمة، ويبدو أن سلطان قومه قد ذهب، وانتقلت رئاستهم للأوضاع إلى غيرهم. ومعروف أيضاً أن ابن دراج كان ذا عيال عديدين وأسرة كثيرة التكاليف وثقيلة المسؤوليات. ويرى بوفلاقة أن هذا هو السبب الأساسي لانصرافه إلى المدح، إضافة إلى تخوّفه من الحملات التي تعرّض لها بين الشعراء، وخصوصاً تهمة الانتحال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

براءة المدائح براءة المدائح



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt