توقيت القاهرة المحلي 21:25:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

  مصر اليوم -

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

بقلم: لحسن حداد

لماذا تفشل «الحلولُ التقليدية» أمام «التعقيدِ البنيوي» لمشكلات التنمية التي تواجهها دول الجنوب؟ ولماذا أصبحت قضايا التنمية أكبر تعقيداً في عالم مترابط تتداخل فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية وسياسية يصعب فصلها أو تدبيرها بشكل قطاعي؟ لعل الوقت قد حان للانتقال من التفكير في «مشكلات قابلة للحل» إلى التعامل مع «إشكاليات معقدة» لا تستجيب لمنطق الوصفات الجاهزة.

ولا نعني بالتعقيد هنا بالضرورة المعنى الفلسفي الذي يطرحه إدغار موران، الذي يرى أن الواقع يتكوّن من أنظمة مترابطة يتفاعل فيها الكل مع الأجزاء في حركة دائمة، ولا يمكن فهمها عبر مقاربات اختزالية، بل من خلال تفكير منظومي متعدد التخصصات. ما نقصده هنا هو نوع من الاستعصاء العملي الذي يجعل أدوات السياسات العمومية التقليدية عاجزةً عن إحداث أثر مستدام، ويحوّل كثيراً من تدخلات التنمية إلى جهود مكلِّفة لكن نتائجها محدودة. من هنا تبرز أهمية مقاربة «المشكلات الشرسة» بوصفها إطاراً تحليلياً لفهم هذا النوع من التعقيد.

«المشكلات الشرسة» نظرية صاغها ريتل وويبر في سبعينات القرن الماضي. وتنطلق هذه النظرية من أن كثيراً من مشكلات السياسات العمومية والتخطيط ليست مشكلات تقنية محضة قابلة للحل بأساليب تدبيرية أو تكنوقراطية، بل هي «مشكلات شرسة» تتسم بالغموض، وتداخل الأسباب، وتَعارُض طرق تقييمها، وتشابك المصالح المرتبطة بها.

ولهذا؛ لا يمكن صياغة هذه المشكلات أو تحديدها بشكل نهائي وصارم؛ لأن كل محاولة لحلها تغيّر من طبيعتها وتعيد تشكيلها، وقد تزيد من درجة تعقيدها بدل تقليصها.

إن أفضل المقاربات لمواجهتها ليست وصفات جاهزة، بل حكامة تقوم على حوار مستدام بين مختلف الأطراف المعنية، وتعلّم تدريجي، وآليات مؤسساتية لتدبير التعقيد والخلاف. أما المقاربات التكنوقراطية السريعة، فلا تُنتج في الغالب سوى الإحباط، وتؤدي إلى تآكل الثقة، وضعف انخراط الفاعلين المعنيين.

لهذا يصنَّف كثير من مشكلات التنمية المستعصية في بلدان الجنوب - مثل الفقر، والتعليم، والصحة، وبطالة الشباب، وانعدام الأمن، والتحولات المناخية - ضمن فئة «المشكلات الشرسة»؛ لأنها تتداخل فيها أبعاد متعددة، ولأن تضارب مصالح الأطراف المعنية يجعل إرضاء الجميع أمراً بالغ الصعوبة، كما أن إيجاد حلول مستدامة لها يتطلب وقتاً طويلاً ومسارات تجريبية متدرجة.

لكن الإشكال الأكبر هو أن هذه المشكلات تتطلب وقتاً للحل، وفي الوقت نفسه يتغير الواقع باستمرار، وتتغير معه طبيعة المشكلات نفسها، فتغدو الحلول التي كانت مطروحة في البداية غير ملائمة لاحقاً. وهذه ما يمكن تسميتها «مفارقة الحلول الثابتة والواقع المتغير».

ومن ثم، فإن الحلول نفسها يجب أن تكون مرنة ومتغيرة، وهذا أمر بالغ الصعوبة، خصوصاً في سياقات سياسية تتسم بمركزية القرار وضعف اللامركزية. لذلك؛ يصبح «تمكين الفاعلين المحليين ومنحهم الموارد والصلاحيات لتجريب الحلول وتعديلها أو التخلي عنها عند الضرورة» عنصراً حاسماً في أي مقاربة ناجعة.

في هذا الإطار، يظل الحوار، والحكامة التشاركية، والتعلّم المؤسسي المستمر، ركائز أساسية للتعامل مع هذا النوع من المشكلات، بدل البحث عن حلول سريعة توحي باليقين بينما الواقع بطبيعته غير يقيني.

والمشكل في دول الجنوب أن الساسة والبيروقراطيين ما زالوا مهووسين بالحلول التقليدية الخطية، المبنية على تصنيفات متجاوزة للواقع، ولا تنبثق من تشخيص تشاركي حقيقي.

وفي المقابل، يلجأ بعض الدول إلى التكنوقراط بوصفهم حلاً سحرياً، متوهّمة أن تفوقهم التقني أو التدبيري في القطاع الخاص يمكن أن ينتقل بسلاسة إلى مجال السياسات العمومية، وهو افتراض خاطئ. فالتكنوقراط قد يُحسِّنون بعض الجوانب التقنية أو التدبيرية، لكن قدرتهم على التواصل السياسي، وعلى تحليل مصالح ومواقف الأطراف المعنية، وعلى تدبير الزمنَين السياسي والتشريعي، وعلى تعبئة التحالفات الضرورية للإصلاح... تظل في الغالب محدودة، وقد تتحول في كثير من الحالات إلى عائق بنيوي أمام إنتاج حلول قابلة للتنفيذ والاستدامة.

لهذا؛ يصبح من الضروري الانتقال من «وهم السيطرة» إلى «ذكاء التكيّف»... فالتنمية ليست مشروعاً تقنياً قارّاً ومغلقاً، بل هي مسار تفاوضي مستمر، يتشكّل عبر التفاعل بين الفاعلين، ويتأثر بتغيّر السياقات وتبدّل موازين القوى والمصالح. وتصميم السياسات العمومية يقتضي تواضعاً معرفياً عميقاً، مفاده بأن الساكنة غالباً ما تعرف تفاصيل واقعها أكثر مما يعرفه المسؤولون، وأن «أهل مكة أدرى بشِعابها»، وأن المعرفة نفسها ليست ثابتة، بل متحوّلة بتغيّر الواقع وتحوّل مصالح الفرقاء.

وعليه؛ فإنَّ كل من يهمه أمر التنمية مدعوٌّ إلى الإقرار بأن «إدارة التعقيد» ليست ترفاً فكرياً ولا نقاشاً فلسفياً مجرّداً، بل هي كفاءة استراتيجية حاسمة، يتوقف عليها نجاح السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة للتحولات، وعلى تحقيق أثر حقيقي ومستدام. فدون هذا التحول في طريقة التفكير، سنظل نعيد إنتاج الأدوات نفسها أمام واقع يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه، فضلاً عن تدبيره.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 20:02 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي
  مصر اليوم - روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 17:44 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

عودة ثلاثي الاتحاد قبل مواجهة البنك الأهلي

GMT 03:55 2025 السبت ,13 كانون الأول / ديسمبر

إتيكيت التعامل مع العلاقات السامة بشكل صحي

GMT 12:25 2022 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

بيرسي تاو ينتظم في تدريبات الأهلي الجماعية بشكل كامل

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 12:09 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

روني كسار يشعل مهرجان "سيدي الظاهر" في تونس

GMT 03:35 2016 الثلاثاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

رنا الأبيض تُعوّض انسحاب سلاف فواخرجي من "باب الحارة"

GMT 02:39 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

نجلاء بدر تحلل تصرفات الرجل في " بيومي أفندي"

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 23:47 2024 الأربعاء ,04 أيلول / سبتمبر

قائمة المرشحين للفوز بجائزة الكرة الذهبية 2024
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt