توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أسرار الواحات البحرية

  مصر اليوم -

أسرار الواحات البحرية

بقلم: دكتور زاهي حواس

هل يمكن أن يتصور أحد من الناس أنه كان هناك في مصر مسؤول عن الآثار يجلس إلى مكتبه بجوار أهرامات الجيزة، وفي الوقت نفسه مسؤول عن آثار واحة شاسعة تبعد عن مكتبه بأكثر من 300 كيلومتر! كانت السيارة تقطع هذه المسافة في أربع أو خمس ساعات نتيجة سوء حالة الطريق المؤدي إلى الواحة. أما هذا المسؤول فهو كاتب هذه السطور، والواحة المقصودة في الحقيقة هي الواحات البحرية والتي تتكون من خمس واحات متجاورة في نطاق 40 كيلومتراً. ونظراً للتقسيم الإداري كانت الواحات تتبع إدارياً محافظة الجيزة، وبالتالي فمدير آثار الجيزة كان مسؤولاً عن آثار الواحات. ومع بداية تسعينات القرن الماضي ظهر في الواحات البحرية كشف أثري عن طريق المصادفة، وكان لا بد من الذهاب إلى هناك مع بعثة أثرية مصرية لعمل حفائر مع المسؤولين المحليين عن الآثار في الواحات. وفي حقيقة الأمر ترددت كثيراً في الذهاب إلى الواحات نظراً لمعرفتي بعدم وجود أماكن مجهَّزة لإقامة فريق الحفائر وصعوبة الحياة هناك، نظراً لدرجات الحرارة العالية في النهار، والبرد القارس في الليل، وذلك في أيام الشتاء، أما في الصيف فلا يمكن لأحد الخروج إلى الطريق بالنهار لبضع دقائق!

وفي عام 1997 بدأنا بالفعل التجهيز لبدء الحفائر بالواحات البحرية بعد أن استطعنا تأمين سكن ملائم لأفراد البعثة في مساكن عمال مناجم الحديد، التي تبعد عن موقع العمل بنحو 40 كيلومتراً، وكانت السيارة تقطعها في غضون الساعة. كانت الإقامة بالواحات البحرية والحفر هناك فرصة ذهبية للتعرف إلى تاريخ جزء مهم من الأرض المصرية والتاريخ المصري القديم. واكتشفت أن الواحات البحرية كانت موجودة من أيام الفراعنة، واسمها لم يتغير منذ خمسة آلاف سنة، حيث كان الفراعنة يسمونها «واحات رسيت» أي الواحات الشمالية أو البحرية كما نقول الآن. وكان الفراعنة يعرفون مدى غناها بالتمور والأعناب الممتازة، ولذلك كان نبيذ الواحات من أغلى أنواع النبيذ، وكانت مصدراً مهماً للزيوت. وقد شهدت الواحات البحرية طفرات اقتصادية لفترات على طول تاريخنا الممتد في عمق الزمان. ففي عصر الأسرة 26 المعروف بالعصر الصاوي، ازدهرت الحياة الاقتصادية بالواحات البحرية، وكانت هناك طبقة ثريَّة من ملاك الأراضي ومن التجار استطاعت تكوين ثروات ضخمة مكنتهم من عمل مقابر عظيمة ومعابد ومنشآت أخرى تجارية وسكنية. وقد استطعت مع البعثة الأثرية الكشف عن مقبرة المدعو جد خونسو أيوف عنخ حاكم الواحات البحرية في عصر الملك أحمس الثاني (أمازيس)، وإلى جوار مقبرته قمنا بالكشف عن مقبرة زوجته وأفراد من عائلته. وكانت هذه المقابر مملوءةً بالحلي والتمائم الذهبية التي تكشف عن مدى ثراء أصحابها.

أما عن الكشف الذي وقع أولاً بالمصادفة، فهو الكشف الذي أطلقت عليه اسم وادي المومياوات الذهبية. ويقع على بعد نحو 6 كيلومترات من مدينة الباويطي - عاصمة الواحات البحرية. كان هذا الاسم سبباً في شهرة الواحات البحرية، ولفت أنظار العالم للواحات. فبمجرد أن أعلنت خبر الكشف عن آلاف المومياوات المغطاة بالذهب لرجال ونساء وأطفال في الجبانة التي تعود إلى العصر اليوناني الروماني حتى بدأت تلفزيونات العالم ووسائل الإعلام تفد إلى الواحات البحرية لتصوير ونقل الكشف إلى العالم كله. وفي غضون شهور وليس سنوات كانت الحياة تتغير في الواحات البحرية، الكثير من الفنادق والقرى السياحية بدأت تُبنى في الواحات، الطريق المؤدي إلى الواحات والطرق الداخلية بدأت تُعَبَّد ويتم رصفها، الإنترنت بدأ في الظهور هناك وتحسنت شبكة الاتصالات وأصبح مشهد السائحين الأجانب وهم يجلسون على المقاهي أمراً مألوفاً. عدت من الواحات بسيارتي في أقل من ثلاث ساعات تاركاً أفراد البعثة في الفندق الجديد الذي انتقلنا إليه ويبعد 10 دقائق عن موقع الحفائر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أسرار الواحات البحرية أسرار الواحات البحرية



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt