لو كانت الأمور طبيعيّة بين أميركا وإسرائيل من جهة و”الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى حرب تستهدف اقتلاع النظام الإيرانيّ. لا يمكن الفصل بين أميركا وإسرائيل في ما يتعلّق بالقضايا الأساسيّة، أي بسلسلة ما هو مطلوب من إيران، إن في شأن ملفّها النوويّ أو الصواريخ الباليستيّة والمنصّات أو الأذرع التي يتحكّم بها “الحرس الثوريّ” خارج الأراضي الإيرانيّة.
لو كانت الأمور طبيعيّة لكانت إيران تفادت الحرب وتصرّفت مثلما تصرّفت ألمانيا أو اليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانية حين استسلمتا أمام الأميركيّين وحلفائهم الأوروبيّين. هكذا كسبت ألمانيا نفسها، وكذلك اليابان. هل إيران أفضل من ألمانيا واليابان وأهمّ منهما؟ احتاجت اليابان إلى قنبلة نوويّة ثانية أُلقيت على ناغازاكي، بعد قنبلة أولى على هيروشيما، كي تفهم معنى التصميم الأميركيّ على إلحاق هزيمة ساحقة بها. خلّصت الهزيمة العسكريّة البلدين من نظامين مستبدّين جعلا كلّاً منهما يشكّل خطراً على محيطه، بل على العالم كلّه… مكّنت الهزيمة ألمانيا من التقاط أنفاسها واستعادة مكانتها في أوروبا والعالم، فيما تحوّل اقتصاد اليابان إلى أحد الاقتصادات الأهمّ في العالم. حصل ذلك بعدما اقتنعت اليابان بأن لا جدوى من مواجهة عسكريّة مع الولايات المتّحدة.
إيران تعيش في الماضي
مع بدء الحرب ذات النتائج المعروفة سلفاً، لا خيار أمام “الجمهوريّة الإسلاميّة” غير الاعتراف بهزيمتها. مثل هذا الاعتراف سيمكّنها من استعادة دورها في المنطقة والعالم وسيمكّن الشعوب الإيرانيّة من الانتماء مجدّداً إلى ثقافة الحياة. وجدت هذه الشعوب نفسها مجبرة على التخلّي عن ثقافة الحياة مع انتصار آية الله الخمينيّ على نظام الشاه بحسناته وسيّئاته في 1979.
بدت المواجهة العسكريّة الأميركيّة – الإيرانيّة حتميّة، في ظلّ وجود عقلين ونهجين لا يمكن الجمع بينهما
ارتكبت “الجمهوريّة الإسلاميّة” خطأ اعتبار أنّ لديها أوراقها في المنطقة، وأنّها تستطيع خوض مفاوضات من الندّ للندّ مع “الشيطان الأكبر” الأميركيّ، وبالتالي الوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل، من نوع تلك التفاهمات التي مهّدت للانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان في عام 2000 أو “قواعد الاشتباك” التي بقي معمولاً بها حتّى يوم قرّر “الحزب” شنّ “حرب إسناد غزّة”.
إلى ذلك، رأت إيران في العراق ورقة إيرانيّة. كذلك رأت أنّ لديها ورقة “الحزب” في لبنان أو “جماعة أنصار الله” (الحوثيّين) في اليمن. لم يدرك الوفد الإيرانيّ، الذي فاوض الأميركيّين في جنيف بوساطة عُمانيّة ومباشرة في بعض الأحيان، أنّه كان يتحدّث بلغة أكل عليها الدهر وشرب في ضوء ما شهدته المنطقة من أحداث وتطوّرات منذ هجوم “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأوّل 2023.
إيران
قبل الحرب، كانت القيادة الإيرانيّة، على رأسها “المرشد” علي خامنئي، تعيش في الماضي، أي في مرحلة ما قبل “طوفان الأقصى”. كانت تعتقد أنّ في الإمكان الأخذ والردّ في ما يخصّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ. حدث ذلك، في حين أنّ المطلوب الانتهاء من كلّ ما له علاقة بالبرنامج النوويّ لطهران. لم يكن من مجال لأيّ مماطلة في حال كان مطلوباً التوصّل إلى تفاهم يؤدّي إلى تفادي حرب جديدة على “الجمهوريّة الإسلاميّة”. ما ينطبق على البرنامج النوويّ ينطبق على الصواريخ الباليستيّة ومنصّاتها، وكذلك على الأذرع الإيرانيّة في العراق ولبنان واليمن.
أكثر من ذلك، ذهبت إيران إلى محاولة إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانيّة أمام شركات النفط والغاز الأميركيّة. لا يوجد استيعاب في طهران لمفهوم البلد الآمن أمام الاستثمارات. أيّ شركة أميركيّة سترسل موظّفيها إلى بلد يستطيع جعل المواطنين الأميركيّين الموجودين فيه رهائن بين ليلة وضحاها؟
ذهبت إيران إلى محاولة إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانيّة أمام شركات النفط والغاز الأميركيّة
قصقصة أجنحة؟
كانت الحاجة إلى انقلاب إيرانيّ على كلّ المستويات من أجل التوصّل إلى تفاهمات مع أميركا. لم يمتلك النظام في طهران القدرة على القيام بمثل هذا الانقلاب. لم تكن لديه قدرة على ذلك نظراً إلى أنّه لم يكن في طهران، باستثناء قلّة صامتة، مَن يستطيع استيعاب معنى ما حدث في المنطقة منذ “طوفان الأقصى” وأبعاده. لم يوجد مَن يفهم ماذا يعني وجود قرار أميركيّ يقضي بليّ الذراع الإيرانيّة، وذلك منذ تمزيق ترامب للاتّفاق في شأن الملفّ النوويّ الإيرانيّ الذي تمّ التوصّل إليه مع إدارة باراك أوباما صيف 2015. مزّق الرئيس الأميركيّ في أثناء وجوده في البيت الأبيض، للمرّة الأولى، الاتّفاق في 2018. ما لبث أن أمر باغتيال قاسم سليماني، الذي يمكن وصفه بأنّه أهمّ شخصيّة إيرانيّة بعد “المرشد”.
لم يذهب ترامب إلى كاراكاس لاعتقال الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو من أجل تأديب رئيس دولة عصى أوامره أو لأنّه أقام علاقات وثيقة مع كوبا. لا يمكن اعتبار اعتقال مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك سوى جزء من عمليّة قصقصة لأجنحة “الجمهوريّة الإسلاميّة” في مختلف أنحاء العالم.
لو كانت الأمور طبيعيّة لكانت إيران تفادت الحرب وتصرّفت مثلما تصرّفت ألمانيا أو اليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانية
بدت المواجهة العسكريّة الأميركيّة – الإيرانيّة حتميّة، في ظلّ وجود عقلين ونهجين لا يمكن الجمع بينهما. يقوم العقل والنهج الإيرانيّان على فكرة أنّه لم يتغيّر شيء في المنطقة وأنّه يكفي التلويح لترامب بالاستثمارات في إيران كي تصبح هناك هوّة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل. ينمّ الأسلوب الإيرانيّ في التفاوض عن فكر ساذج يرفض الاعتراف بالهزيمة. لا يعبّر عن هذه الهزيمة، التي حصلت قبل الحرب، أكثر من خروج إيران من سوريا. أين كانت سوريا وأين صارت بعد فرار بشّار الأسد إلى موسكو؟
كانت كلّ عناصر الهزيمة الإيرانيّة مجتمعة. كانت الجرأة في الاعتراف بالهزيمة. بعد ذلك يمكن الحديث عن مفاوضات بين جانبين يمتلك كلّ منهما أوراقه. هذا إذا كانت هناك أوراق إيرانيّة. لدى الحديث عن أوراق قوّة، من الضروريّ الإشارة إلى الوضع الداخليّ في إيران. قبل فشل نظام “الوليّ الفقيه” في الخارج، فشل في إيران بداية. كان في ذلك مكمن ضعفه قبل أيّ شيء آخر. كان في ذلك أصل الهزيمة.