بقلم:عمرو الشوبكي
إن الاستمرار فى تجريم الإشاعات والأخبار الكاذبة دون صدور قانون لحرية تداول المعلومات يعقد المشكلة ولا يحلها، لأن الأصل فى أى قانون لتداول المعلومات هو الحرية وإن القيود أو بالأحرى القواعد المنظمة هى الاستثناء وهى عادة تخص قضايا الأمن القومى أو مصالح عليا للدولة أو أسرار عسكرية وغيرها من القضايا التى ينظمها المشرع ويجعل نشرها مرتبطا بمرور عقود من الزمان تصل إلى نصف قرن.
ومن هنا يمكن القول إن الأصل فى المعلومات هو «حرية التداول» وإن مواجهة الشائعات والأخبار المضللة التى تنوى الدولة إصدار قانون جديد لتجريمها أو يغلظ العقوبة عليها، لا يمكن قبوله فى ظل غياب قانون يضمن أولا حرية تداول المعلومات وهو شرط أساسى لمحاربة الشائعات ودعم البحث العلمى، وتقديم صحافة، وإعلام مهنى مؤثر.
إن أخطار استمرار «الحالة الرمادية» بغياب قانون حرية تداول المعلومات وتغليظ العقوبة على الإشاعات والأخبار الكاذبة يوثر سلبا على الأوضاع السياسية والمهنية خاصة بعد أن طرحت نقابة الصحفيين فى مؤتمرها الأخير تصور بعنوان «حرية تداول المعلومات على ضوء الاستحقاق الدستورى وتطورات المهنة»، وكذلك جاء كتوصية فى الحوار الوطنى الذى تضمن فى أحد أبرز توصياته المطالبة بإصدار قانون حرية تداول المعلومات وذلك استنادا لنص المادة ٦٨ من الدستور المصرى.
يقينا هناك مخاوف لدى الدولة من إصدار هذا القانون، وهناك ريبة فى قدرة المجتمع بشكل عام والمجتمع السياسى والحقوقى فى التعامل مع قانون جديد لحرية تداول المعلومات خاصة فى ظل إرث قديم من عدم الثقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع خاصة بعد أن أصبحت سياسة التعتيم ليست فقط خيار سياسى حكومى إنما جزء من ثقافة سائدة عند كثير من الناس وعموم المسؤولين وهو يعنى أن تكون البداية هى قراءة الواقع الحالى ومخاوف كل طرف قبل البدء فى مناقشة قانون تداول المعلومات.
الأمر الموكد أن الدولة فى مصر تحتاج أن تنظر إلى قانون حرية تداول المعلومات باعتباره لا يخص فقط المؤسسات الحقوقية ولا الجماعة الصحفية إنما هو أحد شروط تقدم البحث العلمى فى بلد نامٍ مثل مصر أو بالأحرى أن هذا القانون بالضوابط المفهومة على بعض بنوده يعنى دعم البحث العلمى والصحافة المهنية ودعم القوة الناعمة المصرية وأيضا دعم تقدمها بالعلم وبحرية الوصول للمعلومة الصحيحة.
الخطوة الأولى لمحاربة الشائعات والأخبار الكاذبة ستكون بتوفير المعلومة الحقيقية واحترام مبدأ التوثيق فى الأخبار الرسمية ودراسة الجدوى والشفافية فى عرض المعلومات، وبات المطلوب أن يرعى المجلس القومى لحقوق الإنسان ورشة عمل مغلقة تعرض فيها الدولة مخاوفها والسقف أو الحدود التى ستضعها على نصوص قانون حرية تداول مع ممثلين عن مراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات الأكاديمية ونقابة الصحفيين.