توقيت القاهرة المحلي 00:23:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«التاريخ فيه مؤامرات لكن ليس كله مؤامرة!»

  مصر اليوم -

«التاريخ فيه مؤامرات لكن ليس كله مؤامرة»

بقلم : عماد الدين أديب

أزمة الأزمات فى العقل السياسى العربى أنه يفسر كل شىء يخالف هواه ومصالحه على أنه «مؤامرة».تفسير المؤامرة، أو ما يعرف بالتفسير التآمرى للأحداث والتاريخ، مريح لأصحابه لأنه -بالدرجة الأولى- يعفى أصحابه من مسئولية ما يعملون ويلقى بها على كاهل الخصوم أو الأعداء أو الذين يختلفون معهم فى الرأى أو المصلحة.

أخطر ما فى اتباع نظرية التفسير التآمرى «أنك بهذا المفهوم لا تخطئ أبداً لأن «الآخر» هو المخطئ المتآمر الشرير».

وبهذا المفهوم لن يحدث أبداً أن تعترف بالخطأ، وبالتالى ينعدم أى أمل فى الإصلاح، لأن أولى خطوات إصلاح الخطأ هى الاعتراف به وتحديد مسئولية المخطئ.

بهذا المفهوم فإن غضب الناس ضد المظالم غير مفهوم، ورفض الناس للفساد غير مقبول، وثورة الجماهير فى الشوارع والساحات مؤامرة، وانتقاد أصحاب الإرادة الحرة والضمائر النقية للمظالم وعدم الإنصاف هو «قيام أقلام مأجورة بخدمة مشروعات خارجية شريرة».

بهذا المفهوم فإن المتظاهر السلمى عميل للخارج، والشباب الثائر يحصل على وجبات مجانية من جهات شريرة، ومنظمات المجتمع المدنى تقبض من السفارات.

هل هذا يعنى أن الجميع ملائكة ونبلاء وأطهار؟

بالقطع لا. دائماً وأبداً فى كل زمان ومكان، وفى كل التحولات الاجتماعية وحركات الاحتجاج والثورات هناك من يسعى جاهداً لاختراق الصفوف وسرقة الانتفاضة الشعبية واختطاف الثورات فى اتجاه مضاد.

وتدرس الجامعات المتخصصة فى العلوم السياسية ضمن مناهجها فى العلوم السياسية ما يعرف باسم «نظرية المؤامرة».

ووفقاً للعالم السياسى مايكل باركون فإن هذه النظرية تقوم على فرضيات أساسية هى:

أن الكون كله محكوم بتصميم ما لذلك لا يوجد أى فعل يقوم على الصدفة ولا شىء هو كما يبدو. وعليه فإن كل شىء مرتبط ببعضه البعض.

أخطر ما فى فلسفة نظرية المؤامرة أنها تصبح مسألة «إيمان» أصحابها بها وليست مسألة بحث عن «دليل يعتمد على حقائق وثوابت».

ويبقى دائماً -فى مثل هذه الحالات- السؤال الجوهرى الحاكم والحاسم: «هل ثارت الناس عن حق أم عن باطل؟ هل غضب الناس مشروع أو مفتعل؟ هل حركتهم تلقائية تعبر عن وجع وألم وشعور بالظلم؟

باختصار، هل احتجاجات الناس فى شوارع بغداد وبيروت والخرطوم والجزائر -فى بداياتها- كانت طبيعية تلقائية حقيقية؟

مثلها مثل كل حركات الاحتجاج الجماهيرى تسعى قوى محلية، دينية، قبلية، مناطقية، طائفية، حزبية، لاستغلال حركة الجماهير لصالحها.

هذا أمر طبيعى يحدث منذ بدء معرفة التاريخ الإنسانى الغضب الجماهيرى ضد السلطة.

يبقى الأهم دائماً مدى وعى الجماهير بحقيقة أهداف ثورتها، ودرجة مناعتها ضد الاختراق، وحصانتها ضد البيع أو الشراء من قبل قوى مشبوهة أو عملاء سفارات أجنبية.

عند حدوث أى انتفاضة جماهيرية فإنه من الطبيعى أن تحاول كل أجهزة الدول الكبرى والدول ذات المصلحة المباشرة فى الاختراق والتأثير بكل الطرق بهدف السيطرة وتحويل مسار حركة الجماهير لما يخدم مصالحها.

هذا أمر يحدث، وسوف يستمر فى الحدوث من فنزويلا إلى تشيلى إلى هونج كونج، ومن تونس إلى ليبيا، ومن سوريا إلى العراق، ومن السودان إلى لبنان.

إنها حركة مد وجزر، كر وفر، ثورة وثورة مضادة، سعى للاختراق ورفض كامل له، صراع بين قوى وطنية وقوى عميلة، بين من يسعى للتآمر وبين من يقاوم تلك المؤامرة.

مأساة السلطة فى كثير من دول العالم هى أنها فى معظم الأحيان تختار الحل الأسهل وهو تفسير غضب الجماهير على أنه مؤامرة خارجية.

الخطر الأكبر فى الإصرار على التفسير التآمرى لغضب الناس أنه يؤدى -فى هذه الحالة- إلى صدام محتوم بين قوى راغبة فى تغيير المظالم، وقوى حاكمة ترفض تماماً القبول أو الاعتراف بأى خطأ على أساس أن «الغضب» ليس مبرراً ولا يستند على حق لأنه مؤامرة!

التاريخ -بالتأكيد- ملىء بالمؤامرات والمتآمرين.

والتاريخ أيضاً -بالتأكيد- ليس كله مؤامرة من الغير تعفينا من تحمل مسئولية الأخطاء والخطايا!

وقد يهمك أيضًا:

إيران ترفض الثورات العربية!

محاولة لفهم سياسة الإمارات

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«التاريخ فيه مؤامرات لكن ليس كله مؤامرة» «التاريخ فيه مؤامرات لكن ليس كله مؤامرة»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 09:25 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة
  مصر اليوم - صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة

GMT 05:25 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

محرز يُتوج أطول سلسلة تمريرات في تاريخ كأس العالم
  مصر اليوم - محرز يُتوج أطول سلسلة تمريرات في تاريخ كأس العالم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt