توقيت القاهرة المحلي 15:19:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا علينا أن نعارض «السيسى»؟

  مصر اليوم -

لماذا علينا أن نعارض «السيسى»

معتز بالله عبد الفتاح

لا أعلم لماذا لا نتعلم من دروس التاريخ، بما فى ذلك تاريخنا نحن.

فى آخر مكالمة تليفونية لى مع الرئيس «السيسى» منذ أقل من أسبوع لم أجد نفسى فى حضرة ديكتاتور يعطى أوامر. «لا والله» على حد تعبيره. هو رجل يحاول أن يبحث لمصر والمصريين عن مكان أفضل. ولا يقدم نفسه باعتباره شخصاً فوق النقد أو المساءلة بل هو شخص طالب للنصيحة والمشورة والمساعدة فى «شيل» هم البلد.

ولا أعرف من أين جاء بعض «الملكيين أكثر من الملك» بظنهم أن معارضة أو انتقاد الرئيس عمل لا أخلاقى أو غير وطنى أو إخوانى أو إرهابى.

هل «السيسى» نبى؟

أسأل. لأجيب هو قطعاً ليس كذلك، وحتى الأنبياء ما كان الله ليتركهم بلا توجيه. ونتذكر المواضع المختلفة التى عاتب فيها رب العزة، سبحانه وتعالى، رسوله بتلطف وبكلمات فى موضعها تفيد الإرشاد كقوله تعالى: «يَا أَيّهَا النّبِىّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلّ الله لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَات أَزْوَاجِكَ».

هل «السيسى» فرعون؟

أسأل. لأجيب أننى لم أرَ أمامى رجلاً يقول «أنا ربكم الأعلى» وحتى حين قالها فرعون كان التوجيه القرآنى لموسى وهارون عليهما السلام: «اذْهَبَا إلى فرْعَوْنَ إنّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبّنَا إِنّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45)».

إذن هو ليس «نبياً» وليس «فرعوناً».

هو مواطن مصرى، «زى حالتنا» فيه ما فينا من مميزات وعيوب، ولكن الله جعله أكثر حملاً بأن أصبح فى موضع يتخذ فيه قرارات تمس حياتنا جميعاً. وهذه هى وظيفة رئيس الدولة.

علينا أن نعارض الرجل تلك المعارضة العاقلة التى تعرف مواضع الخطأ فتوضحها ومواضع الصواب فتدعمها؛ لأن المبالغة فى المعارضة تجعل من هو فى موضع المسئولية يفقد اهتمامه بالاستماع لرأى من يعارضه لأنه سيقتنع أن المعارض حباً فى المعارضة سيعارضه سواء أخطأ أم أصاب.

ومع ذلك لا بد من معارضة هؤلاء الذين فى موضع المسئولية لأن أخطاءهم تكون كارثية عادةً ويدفع ثمنها أجيال من بعدهم. وهذا ما يجعلنى أطالب بوضوح ألا تتحول أى كلمة نقد للرئيس أو للحكومة وكأنها عمل لا أخلاقى أو غير وطنى. تعالوا نعُد إلى بعض النماذج التاريخية التى تستحق التأمل:

- الإسكندر الأكبر صنع إمبراطورية عظيمة من حدود اليونان حتى حدود الهند. ولكنه نسى أن يعين خليفة له أو يحدد شكل تداول السلطة بعده، فانتهت إمبراطوريته إلى دول متصارعة حتى قضى بعضها على بعض. ولو عاد به الزمن، لما فعل.

- قرر إمبراطور المينج الصينى فى القرن الرابع عشر أن يتخلى عن أسطوله البحرى الرهيب وأن يتبنى سياسة العزلة. وكان ذلك الأسطول فى ذلك التاريخ أكبر أسطول فى العالم بما جعل الصين تتكلس وتفقد تواصلها مع العالم الخارجى حتى انتهت ضحية الاستعمار البريطانى ثم اليابانى لها. خطأ شنيع كلف الصين الكثير. ولو عاد به الزمن، لما فعل.

- قرر ألكسندر الثانى فى 1867 أن يبيع ألاسكا للولايات المتحدة بحوالى 7.2 مليون دولار أمريكى لتكتشف الولايات المتحدة لاحقاً فيها موارد طبيعية مهولة تجعلها تعوض خلال 50 سنة ما دفعت بأكثر من مائة مرة. ولو عاد به الزمن لما فعل.

- قرر الهولنديون أن يتجاهلوا أستراليا رغماً عن أنهم اكتشفوها قبل الإنجليز بحوالى 100 عام لأنهم ظنوا فيها أنها «صحراء بلا قيمة». لتتحول إلى واحدة من أهم دعامات الإمبراطورية البريطانية ولتعتمد عليها وغيرها لتعيش وتنشر ثقافتها لأكثر من قرنين من الزمن. ولو عاد بهم الزمن، لما فعلوا.

- قرر نابليون فى مطلع القرن التاسع عشر أن يغزو روسيا فى الشتاء لينتهى الحال بجيشه مدفوناً تحت الثلوج، وبعد حوالى 100 سنة يفعل هتلر الشىء نفسه بمستوى الغباء نفسه ليصل إلى النتيجة نفسها. ولو عاد بهما الزمن، لما فعلا.

- بل إن من صنع تايتانيك لم يضع فيها ما يكفى من قوارب نجاة ظناً منه أنها سفينة «غير قابلة للغرق». ولو عاد به الزمن، لما فعل.

- وفى تاريخنا المصرى، قرر محمد على التوسع فى كل الاتجاهات دون التفكير فى ما سيجلبه عليه ذلك من عداوات من كل الاتجاهات ليدمروه. وقرار الرئيس عبدالناصر بإرسال قوات لليمن (حوالى 70 ألفاً) ثم التصعيد المبالغ فيه ضد إسرائيل دون استعداد كافٍ للمعركة لننتهى إلى هزيمة تقضى على حياة 20 ألف جندى وضابط من جانبنا فى مواجهة 150 من جانبهم. وقرار الرئيس السادات بإطلاق العنان لـ«الإسلاماسى» (أى الإسلام السياسى) لمحاربة اليساريين والناصريين، فيكبر الثعبان الذى أخرجه من السجن ليلتهمه ويمزقنا جميعاً. وقرار الرئيس مبارك بالسماح لابنه جمال بالدخول فى حلبة الحياة السياسية، حتى لو كان مساعداً له دون طموح الرئاسة وهو ما يؤكد على الرئيس السابق ولا أصدقه فيه، وما خلقه من معارضة شرسة أغرقت المركب بما فيه. ولو عاد بهم الزمن، لما فعلوا.

هل تتذكرون السامرى؟

إنها قصة تؤكد أن العقل البشرى لديه قدرة هائلة على خداع النفس، ومن تخدعه نفسه يكون قادراً على خداع الآخرين لأنه يظن فى نفسه الصدق، ويتصرف بدافع من يقينه بأنه صاحب قضية عادلة. ولكن حين يصل إلى النتيجة النهائية التى قال بها السامرى بعد أن تركه سيدنا موسى عليه السلام لمناجاة ربه، فلما عاد سأله: «قال فما خطبك يا سامرى» فرد السامرى الذى كان قد صنع عجلاً ليعبده بنو إسرائيل قائلاً: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوّلَتْ لِى نَفْسِى).

الرجل اكتشف أنه ضل وأضل رغماً عن أنه كان يظن أنه يحسن صنعاً. ولو عاد به الزمن، لما فعل.

من الاستعراض السابق: كلنا نرتكب أخطاء. وأفضل الأخطاء هى التى يمكن لنا أن نمنعها قبل أن تقع.

لا يريد وطنى محب لهذا البلد أن نرتكب أخطاء أو خطايا تردنا إلى الماضى أكثر من ذلك.

لا يريد وطنى محب لهذا البلد أن نسبح بحمد الرئيس، أياً كان اسمه، على حساب مصلحة البلد.

عارضوا الرئيس بوطنية من يريد بمصر خيراً. اختلفوا مع الحكومة بعقلية من يريد لها أن تحسن وليس من يتمنى لها أن تخطئ.

ولهذا نحن بحاجة لاستكمال مؤسساتنا الديمقراطية بسرعة نسبية، وبحاجة لأن تتعدد مراكز صنع القرار من خلال برلمان قادر على مراقبة ومحاسبة بل وردع الحكومة إن أخطأت. ولا بد أن تكون حرية الرأى والتعبير مكفولة بما يحقق هذا التوازن وهذا التعدد.

أحسنوا حتى يحسن الله إلينا.

لن تكون هناك مصر جديدة إلا بإنسان مصرى جديد.

وختاما: «فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ، إِنّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا علينا أن نعارض «السيسى» لماذا علينا أن نعارض «السيسى»



GMT 08:35 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 08:34 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 08:32 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 08:29 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الأزمة اليمنية

GMT 08:28 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أعمال بشرية... وأفعال قدَرية

GMT 08:27 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 02:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وداعا للورق مصر تلغي كارت الجوازات نهائيا في المطارات
  مصر اليوم - وداعا للورق مصر تلغي كارت الجوازات نهائيا في المطارات

GMT 09:56 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:21 2023 السبت ,26 آب / أغسطس

أنت الوحيد

GMT 20:43 2021 الإثنين ,29 آذار/ مارس

سويسرا تعين نجم التنس فيدرر وزيرا للسياحة

GMT 02:39 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

مذيع "مع الفارس" يؤكد أن رانيا يوسف أساءت لنفسها

GMT 10:06 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد عبد الملك يُحمل أيمن يونس مسؤولية مؤازرة الزمالك

GMT 14:55 2020 الأربعاء ,06 أيار / مايو

نجلاء فتحي مطلوبة على جوجل

GMT 14:20 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

ميدو يُداعب زوجته بسبب "تاتو" يحمل اسمه

GMT 17:36 2017 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

"وزارة الكهرباء المصرية" تعلن عن 10 آلاف وظيفة خالية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt