توقيت القاهرة المحلي 13:05:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مهندس حرب أكتوبر

  مصر اليوم -

مهندس حرب أكتوبر

بقلم - سحر الجعارة

منحتنى «صاحبة الجلالة» فرصة محاورة أحد صناع نصر أكتوبر 73.. إنه المشير «عبدالغنى الجمسى»، آخر وزير حمل لقب وزير حربية فى مصر. إنه مهندس نصر أكتوبر الذى خطط تفاصيل العمليات للحرب، واعتمدت القيادة على دراسة الموقف العسكرى الذى طرحه، وسميت تلك الدراسة «كشكول الجمسى»، وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناءً على تلك الدراسة.

كنت أسجل حواراً ينفرد بتقديم الخلفية الإنسانية للشخصيات والمواقف السياسية فى تجربةٍ يوثق فيها الصحفى بالكلمة والصوت والصورة شهادات حية على التاريخ المعاصر، ويجيب عن السؤال الذى يتردد على ألسنة الناس حول المشاهير الذين غادروا بؤرة «الضوء»: «أين هم الآن؟!».. وكان هذا هو اسم البرنامج الذى عُرض على قناة Art، وقام بإعداده الكاتبان «حمدى رزق وأسامة سلامة».

دارت الكاميرا وازداد الحماس مع خطوات المشير «الجمسى»، رافقته فى شغف ورغبة فى الاقتراب أكثر، وقمنا نتمشى فى ملعب «الكروكيه» فى «نادى هليوبوليس»، وبدأ يحدثنى عن دور الرياضة فى حياته العسكرية بصوت لا يخلو من مرارة، فقد كان يمارس الرياضة بأمر الأطباء بعد «أزمة قلبية»، وكانت الكاميرا تسجل خطوات المحارب الذى ترك السلاح وتمسّك بعزة النفس حين كتب استقالته للتاريخ ولأولاده- على حد تعبيره!.

كنت شابة مغامرة، وكان المفروض أن يتوقف التصوير هنا وأنا أحاول أن أقتحم عالم المشير «الجمسى» برفق.. توقفنا عند موقف درامى خرج فيه «الفيلد مارشال» من الميدان لتتحول «وزارة الحربية» بعده إلى «وزارة الدفاع» بما يتناسب وخطاب مرحلة السلام التى بدأها السادات بـ«كامب ديفيد»!.

منذ تلك اللحظة الفارقة، انكشف الألم الذى كان يداريه بكبرياء.. وحملتنا الذكريات إلى حوارنا.. كانت مهمة اختراق «الجبهة الإنسانية» للمشير شبه مستحيلة، إنه شخصية عسكرية صارمة، فاستعرت عبارة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وسألته عن «دموع الجنرال»: هل صحيح أنك بكيت أثناء المفاوضات مع «كسينجر»؟.. أجابنى وبريق دمع عزيز يغلف نظرته: (كنا نتفاوض حول الأمن المتبادل بين مصر وإسرائيل، وأصر كسينجر على منحهم تأميناً أكثر، رفضت، فجاءنى السادات وقال قُضى الأمر، انسحبت من أمامه أدارى دموعى فى دورة المياه).

وتداعت لحظات الألم، فأخذ يروى لى عن يومٍ أصر فيه «السادات» على حرمانه من حضور احتفالات أكتوبر بوصفه وزيراً للحربية وكيف جرى تغييره قبل الحفل بثلاثة أيام، واحتد علىَّ وهو ينفى شبهة أن تكون رتبة مشير «رتبة شرفية»، استشهد بـ«مونتجمرى» وقال - فى اعتزاز - إن نصر أكتوبر مدوّن ضمن مسوغات حصوله على وثيقة «الفيلد مارشال».

ولأن الذكريات كان موجعة تستدعى بريق المنصب وسطوته كما تستدعى لحظة الفقد، قهرنى ليوقف الحوار.

شهر كامل، ومحاولات مضنية ونحن نحاول استكمال الحوار الذى توقف بدمعة حائرة تجمدت على جفنه رافضة الاستسلام.. وفريق العمل بأكمله يشعر بأننا أمام مسئولية تاريخية، وأن مساحة «البوح» التى يسمح بها المشير ستتحول إلى وثيقة مرئية.. وقبل أن نيأس كانت دعوته إلى مكتبه الخاص:

حاولت رسم «بورتريه» إنسانى يقدم ملامحه النفسية وعالمه وواقعه، ومن غرفة المكتب التى كان يعتبرها «ثكنة» يعكف بداخلها على الأبحاث العسكرية والاستراتيجية كان غارقاً فى كمٍّ هائل من الكتب، وعلى مكتبه مشروع «مركز للدراسات الاستراتيجية - العسكرية».. المشروع أُجهض لعدم وجود إمكانيات!..

أما المكتبة فتلخص تاريخه وتحفظه: «24 نيشاناً وميدالية، ونجمة الشرف التى حصل عليها بعد حرب أكتوبر، وأعلى المكتبة بقيت حقائب قطيفة فارغة كانت تحمل - ذات يوم - أسلحة نادرة أهداها له الرؤساء والملوك العرب وأهداها فيما بعد للقوات المسلحة»!.. وهنا توقف ليقول: «بعدما رحلت زوجتى وانصرف الأولاد إلى أسرهم الصغيرة، أصبح الكتاب هو كل سلواى فى وحدتى».

وإلى جوار الكتب، احتفظ المشير بـ(النجمة العسكرية، وكشكوله الشهير، ووثيقة حصوله على رتبة مشير، واستقالة أصر على كتابتها للتاريخ).

وأخذ «المشير» يروى لى كيف أعاد «عبدالناصر» بناء القوات المسلحة، وينسب نصر أكتوبر إلى تلك المرحلة، ويفك لى طلاسم «الثغرة».. وامتد الحوار لمعظم القضايا العسكرية والاستراتيجية، وكان يتمتع -خلاله- بذاكرة حديدية، ويتحلى بنبل وصدق شديدين.

وأثناء الحوار كان يسيطر علىّ سؤال مُلح: ماذا لو تآمرت على هذا الرجل الوحدة مع النسيان والمرض، هل يستسلم ساعتها لقانون السن؟.. هل تتعطل ذاكرته فتختلط لحظات الانتصار بلحظات الانكسار؟.. ثم جاءتنى الإجابة: توفى المشير الجمسى بعد معاناة مع المرض فى 7 يونية 2003 عن عمر يناهز 82 عاماً، تاركا اسماً يخلده التاريخ بحروف من نور.. وإرثاً من الفخر والعزة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مهندس حرب أكتوبر مهندس حرب أكتوبر



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt