هذا المقال موجه إلى فضيلة مفتى الديار المصرية، الدكتور محمد نظير عياد، تعلمون سيادتكم أن من حق المسلم والمسلمة أن يسألكم فى حال عرضت عليه مسألة مستحدثة لم ترد من قبل وعليه: لقد حذر الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من خَطَر النسوية الـمُتّشِحة بالدِّين، فيما أسماه بـ«الفيمنست الإسلامية» قائلاً إنها ظاهرة مُركَّبة تلبس عباءة الدِّين لتمرير مفاهيم تُهدِّد بِنية الأسرة.
وأضاف أمين الفتوى: يسعى الداعون لهذه الظاهرة والمتلبِّسات بها -وللأسف بعضهم يحمل شهادات شرعية- إلى تمكين المرأة عبر إعادة تفسير النصوص الدينية من «منظور نسوى إسلامى» بهدف تفكيك ما يسمونه «التفاسير الذكورية» للشريعة.
وتابع «ربيع»، عبر صفحته الرسمية على «فيس بوك»: لكن هذا النهج لا يعدو كونه محاولة للَىِّ عُنق النصوص ليتوافق مع مبدأ المساواة المطلقة والنِّدية مع الرَّجُل.. وانا أسأل هل هذا الرأى يعبر عن رأيه الشخصى أم عن رأى مفتى الديار المصرية، وهل تتفقون سيادتكم معه فى أن بعض حاملات «الشهادات الشرعية» غير صالحات للفتوى أو الدعوة الإسلامية لأنهن ينتمين إلى ما أسماه «النسوية الإسلامية»؟.
والأهم هل تفسير القرآن الكريم وأحكام الدين تتوقف على المفسر رجلاً كان أو امرأة أم على الدرجة العلمية والفهم الإنسانى؟ وهل الرجل يحتكر الدين وليس من حق المرأة حتى أن «تستفتى قلبها» وعلينا أن نلغى الأوامر الإلهية «لعلهم يتفقهون لعلهم يتقون» ونسلم عقولنا للرجل لمجرد أنه «ذكر» ونأخذ منه ديننا خشية «فتنة الفيمنست»؟.
فضيلة المفتى: إذا كانت حركة الفيمنست الإسلامية خطر على الإسلام وأحكامه فلماذا لم تتصدَّ دار الإفتاء المصرية لهذه الظاهرة وتصدر بياناً بموقفها الرسمى منها؟.
يقول أمين الفتوى: (إنّ الخطر الحقيقى يَكمُن فى أنّ هذا التيار لا يكتفى بنقد الممارسات الاجتماعية الخاطئة، بل يطال الثوابت الشرعية المتعلقة بالمرأة، مثل: القوامة، والميراث، ومسائل الاتفاق قبل الزواج... إلخ، ويعيد تأويلها بما يُفرِّغها من مضمونها، وسبيل ذلك من خلال تَبنِّى خطاب «المظلومية» والتركيز على صراع وهمى بين الجنسين، حيث تفتح «النسوية الإسلامية» الباب أمام التمرد على القيم والأحكام الشرعية، مما يؤدى إلى تفكك الأسرة وضرب الاستقرار المجتمعى). وهو الأمر الذى أصابنى بصدمة عصبية، هل الحديث فى تنظيم أمور الشبكة والقائمة يفكك «الثوابت الشرعية»؟.
هل مناقشة الميراث المطروح فى كل الدول الإسلامية ومراجعة مفهوم «القوامة» فى عصر أصبحت فيه المرأة قاضية ووزيرة ورئيس دولة «حليمة يعقوب فى سنغافورة» هو خطاب مظلومية وخلق صراعاً وهمياً بين الرجل والمرأة؟.. فماذا عن ترك المرأة معلقة فى المحاكم بالتفاسير الذكورية رغم النص القرآنى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) الآية 129 سورة النساء؟.
أليس الرجل هو من يستولى على ميراث المرأة فى الريف والصعيد دون رادع دينى متوهماً أن هذه هى «القوامة»؟.. أليس «العنف المنزلى» وضرب الزوجات واغتصابهن فى الفراش يتم بتفسيرات ذكورية للقرآن؟!.. أنا لم أجد داعية واحدة تدعو لعدم ضرب الزوجات إنها دائماً تبحث عن «تخريجة» بأن تقول: اضربها بعود برسيم أو سواك!.
حتى شيخ الأزهر، الدكتور «أحمد الطيب»، قال إن تعدد الزوجات ظلم للمرأة وهو ما لم تجرؤ على قوله «داعية امرأة».
الآن سوف أشير سريعاً إلى حقيقة مصطلح «النسويات الإسلاميات» أشهرهن «أمينة ودود»، أستاذة الدين والفلسفة، فى جامعة فرجينيا كومونولث الأمريكية ألّفت الكتاب الموجز والمكثّف، لنيل الدكتوراه فى التفسير القرآنى من جامعة ميتشيجان عام 1988 حين اختارت موضوع بحثها عن «إعادة قراءة النصّ المقدس من منظور امرأة»، فكانت كمن يدخل صحراء قاحلة، لم تطأها نساء كثيرات من قبل، لدرجة أن الأساتذة المشرفين على بحثها، كانوا يسألونها إن كانت تدرك ما تفعله حقاً!.
ويبدو أن «آمنة» لم تكن تتوقع حجم التأثير الهائل الذى ستخلّفه. اليوم، باتت مدرسة النسوية الإسلامية التى ساهمت فى وضع أسسها، منهجاً بحثياً قائماً بذاته، وبات كتابها الذى ترجم إلى لغات عدة، مرجعاً فى مجال الجندر والإسلام.
تقارب «آمنة» علم التفسير ضمن إطار نظرى شامل، هو التوحيد، بمعنى أنّ روحية النصّ القرآنى عادلة بالمطلق، فلا فوارق هرمية ولا تراتبية بين البشر على اختلاف أجناسهم، وطبقاتهم، وأعراقهم، وميولهم. كلهم على درجة واحدة، و«الله وحده أكبر»، كما تقول.
أخذت تجربة «أمينة» النضالية مسارات متشعبة، خصوصاً فى عملها مع منظمة «أخوات فى الإسلام» التى خاضت معارك شرسة لتغيير قوانين الأسرة والأحوال الشخصية فى ماليزيا، ولاحقاً مع تجمّع «مساواة» الذى يضمّ منظمات نسوية وإسلامية من حول العالم، تعمل على تعديل تشريعات الأحوال الشخصية فى عدد من الدول.
لكن هذا الفكر لم يصلنا وربما لن يصلنا: نحن غارقون فى تفسير أمر إلهى واحد، نختلف ونتصارع ويُكفر بعضنا البعض، ويسجن الآخر بتهمة الازدراء.. ولم نتفق حتى الآن على تفسير «اضربوهن»!.