توقيت القاهرة المحلي 19:43:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أستاذى كمال المنوفى

  مصر اليوم -

أستاذى كمال المنوفى

عمار علي حسن
لن أراه بعد اليوم، يمشى الهوينى، يده فى جيبه، ورأسه يتطامن فى تواضع، يوزع ابتساماته على كل من يمر بجانبه، ولا يبخل بما يعرفه على أحد، فقد غادر الدنيا، وغاب جسده، وترك روحه ترفرف فى ردهات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، وتُلقى السلام على تلاميذه، الذين تتابعوا أمام عينيه عبر سنين عدداً، ولم ينسه أحد منهم. كان فلاحاً من طين أرضنا الطيبة، عاش قابضاً على مذهب أهل الريف، وسار على أشواقهم المعتّقة إلى العدل والبهجة والصبر، إذ اتخذهم موضوعاً لأطروحته للدكتوراه «الثقافة السياسية للفلاحين المصريين»، وظل طيلة حياته مربوطاً بهم، وهو يغمض عينيه كثيراً عن أضواء المدينة المبهرة، التى طالما خطفت أبصار كثيرين ممن زاملوه وجاوروه فنسوا من أين أتوا؟ ومن ينتظرهم على مفترق الطرق، وفى كل الأوقات؟ كانت خدماته معارة إلى جامعة الكويت وقت أن دخلتُ هذه الكلية عام 1985، وعاد إليها بعد تخرجى، لكننى اقتربت منه أيام الدراسات العليا، فأشرف على أطروحتى للماجستير وشارك فى لجنة مناقشتى للدكتوراه، وتعلمت منه كثيراً، فقد كان واسع المعرفة، كريم الخلق، متواضعاً بسيطاً، لم يتجهّم فى وجهى يوماً، ولم يبخل علىّ بأى شىء أحاط به علماً، وعاملنى كصديق وليس كتلميذ، وهذا كان دأبه دوماً، مع المختلفين معه والمتفقين. وقد جرّبت الاختلاف معه فى بعض المواقف والآراء، فلم يزجرنى، ولم يزاور بعينيه بعيداً عنى، بل كان ينصت إلىّ، وعيناه فى عينىّ، وأذنه تلتقط الحروف الصاخبة الخارجة من فمى، مقدراً حماس الشباب ونزقه أحياناً، وعلى فمه ابتسامة لا تفارقه أبداً، يسكت، ثم يطرح الأسئلة، ويترك الإجابات مفتوحة أمام الكتب وتجارب الحياة وآثار الزمن التى تحفر لنا طرقاً جديدة، دون أن يزعم أنه يمتلك ناصية الحقيقة، وهذا سمتُ العلماء الثقات. كنت أدخل مكتبه فأجده جالساً على الأرض، وقد أسند ظهره إلى حشوة بسيطة، وفرد ساقيه قليلاً، ورأسه غاطس فى كتاب يقرأه، أو بحث لتلميذ يراجعه، أو أوراق طلاب يطالعها. كنت أخلع حذائى مثله، وأجاوره، فينحّى ما معه جانباً، ليقف على ما أريد، ولم أرد منه سوى ما فى رأسه من علم، وما بتجربته فى البحث الميدانى من معالم، وكنت أخرج من مكتبه مغتبطاً ومحتفياً بهذا العالم البسيط، مستعيداً صدى صوته وهو ينادينى باسمى فى عمق، يعكس حدبه الإنسانى، وسعادته بتلميذه الذى كان يتوقع له الكثير، فعاهده على ألا يخيّب ظنه أبداً. قبل سنوات، وفى عزاء زوجته التى سبقته إلى الحياة الآخرة، وجدته واقفاً بقامته الممشوقة، وفمه الصموت، وعينيه المنكسرتين حزناً، وسط أهل قريته، يتلقون معه العزاء، ويجمعون برفقته بقايا الحزن الموزعة على وجوه، يأسى أصحابها لرجل ابتسمت له الدنيا فى لحظة عابرة ثم سرقت منه ما أعطته، وتركته للوحشة والحنين والألم. هناك فى رحاب ذى الرحمة والجلال، ستذهب الوحشة، ويكف الحنين عن إرسال أشواكه المحمومة المسنونة إلى الروح، ويتساقط الألم كأوراق يابسة فى خريف عاصف أو قطرات ماء شحيح فى صهد شمس صيف مباغت. فنم يا أستاذى سعيداً بسيرتك الطيبة، وصدقاتك الجارية، وبواحد من تلاميذك لن يكف عن الدعاء لك: اللهم ارحمه، واغفر له، واصفح عن سيئاته، وأسكنه فسيح جناتك، وألهم، بفضلك، أهله الكرام كل الصبر والسلوان. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أستاذى كمال المنوفى أستاذى كمال المنوفى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt