توقيت القاهرة المحلي 11:48:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سجن الرؤوس

  مصر اليوم -

سجن الرؤوس

عمار علي حسن
هذا عنوان مسرحية للأديب والإعلامى المعروف محمود الوروارى نشرها منذ عشر سنوات وكُتبت قبل ذلك بثلاث سنوات، وكان فيها ذا بصيرة نافذة، وخيال وثاب، وألهمه الله القدرة على النبوءة، فرسم عبر نص محكم بديع، يضاف إلى مسرحيات ثلاث وروايتين وثلاث مجموعات قصصية وأربعة نصوص سينمائية، ملامح المشهد العبثى المؤلم الذى نغرق الآن فى تفاصيله المروعة. فها هو يتوقع انقسام المصريين بين «نعم» و«لا»، مثلما جرى إبان الاستفتاء على تعديلات الدستور فى مارس 2011 ثم على الدستور المخطوف فى ديسمبر الماضى. وهنا يأتى النص: «حسنة: معقول هم أكثر منا. أحمد: نعم أكثر.. بل راحوا وجمعوا أنفسهم.. حتى الذى لم يدخل المسجد طيلة عمره، سيدخله اليوم ليقول نعم. حافظ: هل تعلمون أن مصائب التاريخ من أقدم القدم كلها جاءت نتيجة هذه النعم». هذا المشهد هو جزء من نص حوارى عامر بالجمال والمعنى، يدور فى مجمله حول طقس دينى معتاد، وهو تقديم النذور، التى انحدرت من الأموال إلى العيال، إذ قدم الناس فلذات أكبادهم قرابين، بعد أن وضعوا أطواقاً حديدية فى أعناقهم، فنمت أجسادهم وجمدت رؤوسهم عند حالها، ومعها ضمرت قدرتهم على الفهم والربط والإدراك والإبداع فكانت لهم أجسام البغال وأفهام العصافير، وبذا صارت عقولهم سجينة باسم تدين مغلوط. ومع تقدم النص يمارس رجال الدين السياسة، ويترجل المعارضون الحقيقيون فى انكسار وانحسار، لتأتى صرخة الاحتجاج من النساء، اللاتى يرفضن الولادة، ويحتفظن بأجنتهن فى أحشائهن خوفاً عليهم من أن تسجن رؤوسهم فى أطواق الحديد فيسدرون فى بلاهة وعته وخمول. وحين يطلب منهن الرجال الإنجاب يقولن: «سوف نلد أطفالنا فى زمن أفضل وسوف نحتفظ بهم فى بطوننا حتى لو أصبحوا شيوخاً». وتتضح الصورة أكثر فى حوار بين «حسنة» إحدى بطلات المسرحية و«سند» أحد أبطالها: «حسنة: أخاف من الغدر، لا أدرى ماذا تخبئ لنا الأيام؟ سند: كل خير يا حسنة. ما دمت معى ستخبئ لنا الأيام سعادة، وأطفالاً يلعبون أمام أعيننا. حسنة: والله لا أخاف إلا على هؤلاء الأطفال الذين سيجيئون. أخاف من الطوق الذى سيوضع فوق الرؤوس». والبطل الأول للمسرحية «أحمد» شاب ثائر لديه قدرة على توقع ما سيأتى، وهو ما تقول بشأنه «حسنة»: «والله كل يوم يتأكد لنا صدق كلامه. كل ما قاله سابقاً تحقق ويتحقق». فى البداية يقاوم أحمد بالكلمات، فيبدع أشعاراً يغنيها «على المغنواتى» بصوت غارق فى الشجن، لكن حين تضغط السلطة الجديدة الغازية الغاشمة يجد نفسه مضطراً إلى التفكير فى اتجاه آخر. فحين يطالبه «القاضى» بألا ينجرف إلى العنف، ويدعوه «سند» إلى الهدوء، يرد أحمد: «من أين سيأتى الهدوء، وأنتم تقلعون آخر ما يذكرنا بأيامنا السابقة؟ كيف أهدأ وأنا أرى سكين الجزار قد غرس فى عنق الضحية وبدأ الذبح؟ وماذا أنتظر؟ وأنتظر من؟ الجميع مخدر، مقلوع من جذوره، ناقم على الوضع وغير قادر على تغييره، مهزوم قبل أن يدخل المعركة». وربما يأتى الرد على الشعور الوهن فى موضع آخر من المسرحية على لسان فتاة تسمى «ظاظة» إذ تقول لـ«أحمد» حتى تقويه فى وجه سياسة الترهيب والخوف: «هناك ما يستحق، هناك الإحساس، الذى يشعرك بكيانك، إحساس الصمود والتحمل، إحساس الدفاع عما تؤمن به، وهناك أيضاً من يستحق». ويقاوم القاضى على طريقته فحين يقول له كبير الحراس: «قلت لك تعالَ وتولى أنت الحكم بين الناس لكنك رفضت»، يرد عليه: «رفضت لأننى لا أقبل أن أحكم بغير قانوننا. هذا القانون الذى يلائم بلدتى، ويلائم عادات ومعتقدات أهلها». وتنتهى الرواية بصرخة قوية من «حسنة»: «أن تسحق رؤوس أطفالنا فى الطوق حرام/ أن نقتلع من إنسانيتنا حرام/ أن نهان ونصمت حرام/ أن نكون خرافاً فى زمن كثر فيه الجزارون حرام/ الطوق الذى يوضع فى عقولنا حرام/ الطوق الذى يوضع فى أرزاقنا لنجوع حرام/ أى طوق فى الحياة حرام». نقلاً عن جريدة " الوطن "

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سجن الرؤوس سجن الرؤوس



GMT 11:38 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

المرونة الاستراتيجية

GMT 11:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اختراق العالم العربى !

GMT 11:36 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تجربة مُلهمة

GMT 11:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

أوبيليسك!

GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt