(١) احتياج
نظرت إلى المرآة فلم تر رأسها، إنما رأس ذلك الفتى الشرير الذى أطاعته فى كل شىء، وأعطته جسدها وروحها، حتى لا تخسره، لكنه تركها فى منتصف الطريق، دون سبب. التقطت حذاءها وانهالت على المرآة ضربًا حتى تحطمت، ثم جلست على حافة سريرها تفكر فى قتل الحنين الجارف إلى أيامها معه.
(٢) قدَّاحة
كان مولعًا بشراء قدَّاحات مطلية بماء الذهب، كلما تعطلت إحداها فى يده وهو يشعل سيجاره ألقاها إلى سلة المهملات. واحدة منها وقعت فى يد طفل ينبش فى قمامة تراكمت جرنًا هائلًا على طرف المدينة.
عبث الصغير بالقداحة فاشتعلت النار، ومدت ألسنتها إلى البيوت الخفيضة فأكلتها. كان هو يجلس أمام التلفاز يدخن سيجاره ويتابع تفاصيل خبر عن ضحايا النار من قتلى ومصابين، وبيوت خربة.
(٣) صاروخ
كبسة زر واحدة من يد الطيار أطلقت صاروخًا دقيقًا على دار حضانة. كان قادة السياسة قد فكروا فى الانتقام من الناس بعد أن تعذر عليهم إحراز نصر سريع توهموه. أصدروا قرارًا لقادة الجيش، وهم لا يردون أمرًا.
دفع القاذف يديه، ومد بصره، ليضبط الإحداثيات فانتفض الصاروخ هلعًا، حين رأى صغارًا يمرحون فى فناء تحيط به أشجار قصيرة مشذبة، وأصص ورود، أمام جدران عليها رسومات بديعة ألوانها. تلكأ الصاروخ مرات، لكن القاذف تمكن أخيرًا من إطلاقه.
فى طريقه إلى الهدف سمع الصاروخ أهازيج صغار، سرعان ما انتطموا فى غناء شجى اللحن عن الحياة والمحبة، ولمَّا اقترب رأى البراءة تفيض من عيونهم صانعة هالات نور حولهم، فتوقف فزعًا، ثم استدار عائدًا إلى الطائرة التى أرسلته، بعد أن أدرك من يستحق ضربته المروعة.
( ٤) حشرات
فى حبسه الانفرادى الطويل لم يجد فى القبو أحدًا يحدثه سوى ثلاثة صراصير، وجيوش من البراغيث، والبق، والقمل، والنمل الأسود، والعناكب.
حين أخذوه إلى المحكمة علقت بعض الحشرات بملابسه وجسده. رآها سجانوه تتساقط منه، فابتعدوا عنه، ليتحرر منهم قليلًا.
تخلى عنه محاموه خوفًا من العقاب، فاعتبر هذه الحشرات جنود الله التى تدافع عنه. زاد يقينه فى هذا لمَّا تراءى له القضاة التابعون على المنصة مجرد ثلاث عقارب، وبدا له رجال الشرطة سحالى تزحف خائفة فى قاعة المحكمة. منذ هذا اليوم أطال الحديث إلى جند الله فى سجنه. ترك جسده لها وليمة شهية، وصار بوسعه النوم بعد طول سهاد.
(٥) شراكة
عند عمود النور بالشارع الضيق. تحت مصباح يُعرى احتياجه، ووجوده المستباح، راح يمد يديه فى كومة القمامة، ليلتقط منها رزقه.
لم تكن تشغله الروائح الكريهة، ولا عيون العابرين التى تقتحمه، وتفضحه، ولا مصمصات الشفاه التى ترن فى أذنيه، فليس بين هؤلاء من سيتوقف ليعطيه شيئًا.
وحدها الكلاب والقطط تدرك حاله. تسمع صرخته المكتومة، ويصل إليها صراخ عياله فى بيت على أطراف المدينة، لم يدخله طعام منذ يومين، فتنبش سريعًا لتساعده على الوصول إلى كسور خبز، وأكياس أرز مطبوخ، وفاكهة معطوبة.
(٦) دموع
رص أعواد البقدونس والجرجير والكرات والشبت على خشبة ناعمة أمامه، ودفع السكين يمزقها، كى يجهز طبق السلطة الخضراء الذى يحبه. انتبه إلى ماء يسيل على الخشبة. كان غزيرًا رغم أنه قد جفف الخضروات جيدا بعد أن غسلها بماء بارد.
مد إصبعه فإذا بالماء ساخن جدًا. جاءه صوت بكاء حار، فأعاد النظر إلى الخضروات ليرى وجه طفل صغير يمسك فى يده منجلًا، ويحصد الأعواد الطرية تحت شمس حارقة وهو يبكى من فرط المشقة.
(٧) حساب
امتد بهم السهر على المقهى حتى قبيل الفجر. شربوا ما هو بارد وساخن، ودخنوا أصنافًا من المعسل، حتى تعبت منهم الأراجيل. كانوا عشرة فثقل حسابهم، وهم غير دراين به، مع الثرثرة والحكايات والضحكات والشهقات والآراء التى أطقلوا لها العنان فى كل شيء.
فى نهاية السهرة دسوا أيديهم فى جيوبهم وجمعوا ما بها على الطاولة، ليكتشفوا أنه لا يكفى ما شربه ودخنه واحد منهم فقط. ملأ أحدهم عينيه من وجوههم، ثم قال: ـ اجلسوا لنفكر فى التسلل تباعًا قبل أن ينقضى الليل.
(٨) تمثيل
أسندوا إلى الوجه الجديد مشهدًا تمثيليًا واحدًا فى المسلسل الذى ذاع صيته. كان عليه أن ينطق عبارة واحدة لا تزيد على خمس كلمات. بعدها، لم يطلبه أحد فى أى دور لعامين كاملين. حين اتصل به أحد المخرجين، ذات مساء، ليظهر معه فى مشهد آخر، سأله على الفور:
ـ كم كلمة سأنطقها؟
أجابه، وهو يفحص السيناريو:
ـ ست كلمات فقط.
اتسع وجهه بابتسامة عريضة، وقال لنفسه فى ثقة وامتنان:
ـ الفنان الحقيقى يصعد السلم درجة درجة.