توقيت القاهرة المحلي 11:15:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قصص قصيرة جدا

  مصر اليوم -

قصص قصيرة جدا

بقلم: عمار علي حسن

(١) احتياج

نظرت إلى المرآة فلم تر رأسها، إنما رأس ذلك الفتى الشرير الذى أطاعته فى كل شىء، وأعطته جسدها وروحها، حتى لا تخسره، لكنه تركها فى منتصف الطريق، دون سبب. التقطت حذاءها وانهالت على المرآة ضربًا حتى تحطمت، ثم جلست على حافة سريرها تفكر فى قتل الحنين الجارف إلى أيامها معه.

(٢) قدَّاحة

كان مولعًا بشراء قدَّاحات مطلية بماء الذهب، كلما تعطلت إحداها فى يده وهو يشعل سيجاره ألقاها إلى سلة المهملات. واحدة منها وقعت فى يد طفل ينبش فى قمامة تراكمت جرنًا هائلًا على طرف المدينة.

عبث الصغير بالقداحة فاشتعلت النار، ومدت ألسنتها إلى البيوت الخفيضة فأكلتها. كان هو يجلس أمام التلفاز يدخن سيجاره ويتابع تفاصيل خبر عن ضحايا النار من قتلى ومصابين، وبيوت خربة.

(٣) صاروخ

كبسة زر واحدة من يد الطيار أطلقت صاروخًا دقيقًا على دار حضانة. كان قادة السياسة قد فكروا فى الانتقام من الناس بعد أن تعذر عليهم إحراز نصر سريع توهموه. أصدروا قرارًا لقادة الجيش، وهم لا يردون أمرًا.

دفع القاذف يديه، ومد بصره، ليضبط الإحداثيات فانتفض الصاروخ هلعًا، حين رأى صغارًا يمرحون فى فناء تحيط به أشجار قصيرة مشذبة، وأصص ورود، أمام جدران عليها رسومات بديعة ألوانها. تلكأ الصاروخ مرات، لكن القاذف تمكن أخيرًا من إطلاقه.

فى طريقه إلى الهدف سمع الصاروخ أهازيج صغار، سرعان ما انتطموا فى غناء شجى اللحن عن الحياة والمحبة، ولمَّا اقترب رأى البراءة تفيض من عيونهم صانعة هالات نور حولهم، فتوقف فزعًا، ثم استدار عائدًا إلى الطائرة التى أرسلته، بعد أن أدرك من يستحق ضربته المروعة.

( ٤) حشرات

فى حبسه الانفرادى الطويل لم يجد فى القبو أحدًا يحدثه سوى ثلاثة صراصير، وجيوش من البراغيث، والبق، والقمل، والنمل الأسود، والعناكب.

حين أخذوه إلى المحكمة علقت بعض الحشرات بملابسه وجسده. رآها سجانوه تتساقط منه، فابتعدوا عنه، ليتحرر منهم قليلًا.

تخلى عنه محاموه خوفًا من العقاب، فاعتبر هذه الحشرات جنود الله التى تدافع عنه. زاد يقينه فى هذا لمَّا تراءى له القضاة التابعون على المنصة مجرد ثلاث عقارب، وبدا له رجال الشرطة سحالى تزحف خائفة فى قاعة المحكمة. منذ هذا اليوم أطال الحديث إلى جند الله فى سجنه. ترك جسده لها وليمة شهية، وصار بوسعه النوم بعد طول سهاد.

(٥) شراكة

عند عمود النور بالشارع الضيق. تحت مصباح يُعرى احتياجه، ووجوده المستباح، راح يمد يديه فى كومة القمامة، ليلتقط منها رزقه.

لم تكن تشغله الروائح الكريهة، ولا عيون العابرين التى تقتحمه، وتفضحه، ولا مصمصات الشفاه التى ترن فى أذنيه، فليس بين هؤلاء من سيتوقف ليعطيه شيئًا.

وحدها الكلاب والقطط تدرك حاله. تسمع صرخته المكتومة، ويصل إليها صراخ عياله فى بيت على أطراف المدينة، لم يدخله طعام منذ يومين، فتنبش سريعًا لتساعده على الوصول إلى كسور خبز، وأكياس أرز مطبوخ، وفاكهة معطوبة.

(٦) دموع

رص أعواد البقدونس والجرجير والكرات والشبت على خشبة ناعمة أمامه، ودفع السكين يمزقها، كى يجهز طبق السلطة الخضراء الذى يحبه. انتبه إلى ماء يسيل على الخشبة. كان غزيرًا رغم أنه قد جفف الخضروات جيدا بعد أن غسلها بماء بارد.

مد إصبعه فإذا بالماء ساخن جدًا. جاءه صوت بكاء حار، فأعاد النظر إلى الخضروات ليرى وجه طفل صغير يمسك فى يده منجلًا، ويحصد الأعواد الطرية تحت شمس حارقة وهو يبكى من فرط المشقة.

(٧) حساب

امتد بهم السهر على المقهى حتى قبيل الفجر. شربوا ما هو بارد وساخن، ودخنوا أصنافًا من المعسل، حتى تعبت منهم الأراجيل. كانوا عشرة فثقل حسابهم، وهم غير دراين به، مع الثرثرة والحكايات والضحكات والشهقات والآراء التى أطقلوا لها العنان فى كل شيء.

فى نهاية السهرة دسوا أيديهم فى جيوبهم وجمعوا ما بها على الطاولة، ليكتشفوا أنه لا يكفى ما شربه ودخنه واحد منهم فقط. ملأ أحدهم عينيه من وجوههم، ثم قال: ـ اجلسوا لنفكر فى التسلل تباعًا قبل أن ينقضى الليل.

(٨) تمثيل

أسندوا إلى الوجه الجديد مشهدًا تمثيليًا واحدًا فى المسلسل الذى ذاع صيته. كان عليه أن ينطق عبارة واحدة لا تزيد على خمس كلمات. بعدها، لم يطلبه أحد فى أى دور لعامين كاملين. حين اتصل به أحد المخرجين، ذات مساء، ليظهر معه فى مشهد آخر، سأله على الفور:

ـ كم كلمة سأنطقها؟

أجابه، وهو يفحص السيناريو:

ـ ست كلمات فقط.

اتسع وجهه بابتسامة عريضة، وقال لنفسه فى ثقة وامتنان:

ـ الفنان الحقيقى يصعد السلم درجة درجة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصص قصيرة جدا قصص قصيرة جدا



GMT 10:10 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

واقعيّة أمير قطر… تكامل بدل التّنافس

GMT 10:04 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 09:58 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 09:54 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

GMT 09:51 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... مجتبى ونصيحة كوليريدج

GMT 09:47 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كيف أخفقت الأمم المتحدة في إنقاذ الأجيال من الحروب؟

GMT 09:43 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب ومستقبل لبنان الكبير

GMT 09:17 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

دعم السعودية وحق المصريين فى الفهم

الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 03:48 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

بوتين يرفض "الهدنة المؤقتة" ويشترط تسوية نهائية لأوكرانيا
  مصر اليوم - بوتين يرفض الهدنة المؤقتة ويشترط تسوية نهائية لأوكرانيا

GMT 06:24 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%

GMT 06:35 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض
  مصر اليوم - الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض

GMT 03:43 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو يتوعد إيران حال التشويش على انتخابات إسرائيل
  مصر اليوم - نتنياهو يتوعد إيران حال التشويش على انتخابات إسرائيل

GMT 03:33 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يطلب من ماسك رفع قيود "ستارلينك" في أوكرانيا
  مصر اليوم - ترامب يطلب من ماسك رفع قيود ستارلينك في أوكرانيا

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 04:15 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الإسماعيلي يؤكد وصول عرض من المصري لضم شيلونجو

GMT 17:54 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

مارك بارترا يرتدي رسميًا قميص ريال بيتيس حتى 2023

GMT 21:30 2020 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 04:26 2026 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

بنتلي تطلق أول سيارة رياضية كهربائية بالكامل

GMT 08:28 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

روتين العناية بالبشرة خلال فترة تغيير الطقس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt