توقيت القاهرة المحلي 11:38:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سلطان الوقت.. «متى؟» التى لا يمكن الرجوع إليها

  مصر اليوم -

سلطان الوقت «متى» التى لا يمكن الرجوع إليها

بقلم - عمار علي حسن

الوقت ريح هوجاء، برق يسطع فيخطف الأبصار، وقبل أن تُدركه يغيب، وحين تظن أنه في يدك يتسرب من بين أصابعك دون أن تراه عيناك، ولا تعرف المكان الذي ذهب إليه. كل الأمكنة مطية للوقت، وإن تباعد بينها الرحيل وعز السفر. كل قدم حلت على أرض، ترابا كان أو رملا أو حجرا صوانا أو من أسفلت كفحمة الليل، بوسعها أن تقول أين حلت، لكنها تختلف في الإجابة عن سؤال: متى حلت؟، فالوقت ليس متفقا عليه بين الناس، وإن ضبطته آلات لا حصر لها: ساعات يد وحائط وشاشات هواتف وتليفزيونات، هي في كل مكان تطارد الناس، لكن قلة القلة منهم من تعرف الوقت، وتدرك أن سؤال: متى؟ أهم كثيرا من سؤال: أين؟، فكل أين يمكن أن نعود إليه، لكن أي متى؟ لا يمكن الرجوع إليه، فهو ما إن يبدأ حتى ينقضى، يذهب بلا رجعة، فلا ثبات ولا فرصة، سائل هو ينسكب على رمل سافٍ فلا يمكن جمعه. هواء يكون، يضرب خصلات رأس فتهفهف قليلا فرحةً بطيرانها العابر، لكن لا يمكنها أن تعيد النسمة السارية التي ضربتها وراحت.
الوقت ليس سيفًا، كما قال الأولون، إن لم تقطعه قطعك.. فنحن لسنا في حرب ضروس معه، إنما في لعبة مسالمة، نحايل ونداور ونطمع ونطمح، ونروح ونغدو، ونتوه ونفيق، ونقف ونمشى، ونموت ونحيا، ونهدهده حتى يكون بنا ليِّنًا رفيقًا رقيقًا، ونهمس له حتى يتلطف علينا فيكون بنا هينا، وينزل من عليائه ليكلمنا، ويُفهمنا ما نحن فيه من سيره الطويل، البادئ في زمن لا قرار له، والمنتهى عند حد لا أحد يبلغه، حتى لو خال أو ركبه وهم.

الوقت خمر يملأ الشرايين والأوردة وشعيرات الدم الدقيقة النابضة بالحياة. خمر التخلى والتحلى والتجلى، الذي معه ينقطع الأمس عند الغد، ويغيب الحاضر عما ندركه الآن. فلا شى ء ذهب، ولا أحد يحط قدميه ويتركها، ولا آخر يَهمُّ بالرحيل. عندها فقط يمكننا أن نصطاد الوقت واهمين، نأخذ الدقائق والثوانى ونقبض عليها، ونضعها عند حد التجمد في آلاف الآلاف تحت الصفر، ونقول عندها: توقف العالم كما نريد. فليبق كل شىء عند حاله، الشوق طوق، والفراق نوى، والأسى انفطار، واللقاء بهجة، والموت يسكن فقط في حكايات الغابرين. وقتها لا يضم الشغف جناحيه، ولا تأكل الدهشة زادها، ولا يريد أحد أن يرمى ناظريه بعيدا عن اللوعة والحرقة التي يكابد منها العاشقون دون أن يريدوا لها رحيلا.

الوقت حد بين إدراك لحظة ميلاد ذهبت دون تذكرها، وموت يأتى ولا يمكن تذكره. إنه مسافة بين غفلتين، واحدة أتت دون أن نكون لها في يقظة، والثانية نخاف منها، لكننا نعرف أن إتيانها لا مفر منه، بين ما أتى دون أن يكون لنا فيه صنعة، وما سيأتى دون أن يكون لنا فيه يد. يرتخى الوقت، مادًّا لنا لسانه، ساخرًا منا، ونحن لا نملك له صدًّا ولا ردًّا، وليس في أيدينا أي سيف لنقطع لسانه المزعوم.

الوقت سَقْطُ، هوة بين هامتين تصعدان من جذع الأرض اليابسة إلى عنان السماء، لكنها ترتفع ولا تنزل، وتنزل ولا تعلو، فما إن نلمح نزولها حتى تموت، وما إن نلمح صعودها حتى تموت، وبين موت وموت يكون الوقت، هو أكثر ما يقتل في هذه الدنيا، بل في هذا الكون، دون أن يصرخ أو يستغيث، لأنه مخلوق للتحمل والنسيان، يعرف قدره، لكن المجبورين عليه السابحين فيه لا يعرفون له قدرا، فإما أن تغرّهم الأمانى فيظنون طول المقام، أو تطاردهم المخاوف فتجعلهم يقرون مجبرين بأن النهاية قادمة لا ريب فيها.

الوقت فوت، فما إن تفكر فيما فات، حتى تفقد ما هو بين يديك. ولا ينبو في هذا ذلك الذي يسأل شيخه:

ـ أين الحاضر؟

فيجيبه مطمئنا:

ـ إنه قد مضى.

فإن سأله:

ـ كيف؟

لا يجد من يتلقى عن السؤال إجابة، فكل ما في رأسه يعجز عن أن يكافئ ما سمعه من استفهام، لكنه قد يسقط في مجرى الادعاء، فيقول:

ــ لم نقبض عليه فوجدناه يمر.

والمجيب والسائل يدركان معًا أن ما يتحدثان عنه لا يمكن وصفه، وما لا يمكن وصفه هو فوق طاقة البشر، ولهذا لا يكذب من يرون أن الزمن هو الله، فهو سبحانه ليس كمثله شىء، ولأنه كذلك، فالوقت شىء من قبسه، وهو في هذه الحال أيضا أكبر من أن يقدر الناس على إدراكه على وجه اليقين.

الوقت فوق الذي يمكن وصفه وإدراكه حتى عند الذين يحصونه في وعى وانتباه، فهم ما إن يهمّوا أن يعينوه أو يحددوا له تعريفا وتوصيفا حتى يكون قد راح، وأى تعيين له يكون من الماضى دون أدنى شك. فكل حرف ينطق به العارف والمعرف والمتعارف لا ينطق به اللسان حتى يكون قد ذاب في الهواء.

هذا لكلمة «الوقت» نفسها، بحروفها، واحد تلو الآخر، فما بالنا بمدلولها الذي يسيح في الأفق، بادئًا بما لا بداية له، ومنتهيًا عند ما لا نهاية له.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سلطان الوقت «متى» التى لا يمكن الرجوع إليها سلطان الوقت «متى» التى لا يمكن الرجوع إليها



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt