توقيت القاهرة المحلي 18:19:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صيغة وطنية جامعة لا أحادية ولا فاشية

  مصر اليوم -

صيغة وطنية جامعة لا أحادية ولا فاشية

وحيد عبد المجيد

كثير هو الخلط الحادث الآن بين حاجتنا إلى صيغة وطنية جامعة، عبر توافق على قواعد منظمة للعلاقات فى المجتمع ومحددة للعملية السياسية، ومحاولة فرض صيغة أحادية تصادر التعدد والتنوع، وتنطوى على طابع فاشىٍّ بشكل أو بآخر. ويظهر فى ثنايا هذا الخلط خلاف بين من يرون الرؤية الجامعة مدخلاً إلى الأحادية وإلغاء للتعددية والتنوع والاختلاف ومصادرة للديمقراطية، ومن يعتبرونها سبيلاً إلى تحديد الاتجاه الرئيسى فى المجتمع، من خلال توافق مكونات متعددة اجتماعياً وسياسياً. ولذلك ينبغى الانتباه إلى خطر الدعوة إلى التوحد بطريقة الانتظام فى طابور واحد، بدعوى رص الصفوف. فكانت الشمولية غالبة فى الدول التى عرفت مثل هذه الدعوة على مدى أكثر من قرن. ويثير المغزى الشمولى لمعظم التجارب التى تقترب من معنى الصيغة الوطنية الجامعة سؤالاً صار أساسياً فى عالم اليوم الذى صارت الديمقراطية أحد مقومات مكانة الدولة فيه، وهو السؤال عن العلاقة بين هذه الصيغة وفكرة الأغلبية فى النظام الديمقراطى. وينطوى هذا السؤال على أهمية خاصة فى حالة مصر التى عرفت فى القرن الماضى تجربتين مختلفتين أشد الاختلاف، ولكنهما وثيقتا الصلة بمسألة الرؤية أو الصيغة الجامعة، وهما تجربة الوفد المصرى (1918 – 1953)، وتجربة تحالف قوى الشعب العامل (1962 – 1976) التى تعود بدايتها الأولى إلى عام 1953. فقد كانت تجربة الوفد شبه ديمقراطية، بخلاف تجربة التحالف «الناصرى» ذات الطابع الشمولى. ومع ذلك يوجد خلاف على إمكان الاستناد إلى حالة الوفد المصرى الذى تحول إلى حزب سياسى عام 1924 لتأكيد أن الصيغة الوطنية الجامعة يمكن أن تتجسد فى شكل حزبى، وبالتالى فى إطار تعددى ديمقراطى فى أى وقت وبمنأى عن الظرف المحدد الذى شهد تلك الحالة. غير أنه قبل البحث فى هذه العلاقة، ينبغى أن نتبين إمكانات وجود صيغة وطنية جامعة ومدى توفر مقوماتها فى الواقع المصرى الراهن لمعرفة جدوى المحاولات الجارية فى هذا الاتجاه. ولا ننسى أن بداية هذه المحاولات كانت قبل نحو 3 سنوات، عبر مبادرة حملت عنوان «مبادرة إحياء التيار الرئيسى المصرى» فى مايو 2011. غير أن تدقيق تلك المبادرة يفيد بأنها خلطت بين العمل لبلورة صيغة وطنية جامعة، تحت ذلك العنوان، والسعى إلى بناء توافق وطنى على ما بين المعنيين من اختلاف. فبناء التوافق إنما يكون بين قوى متعددة سعياً إلى ما ورد فى وثيقة المبادرة المذكورة، وهو (بلورة مشتركات وطنية يجتمع حولها المصريون، ويتوافقون عليها). ولعل هذا الخلط بين بلورة تيار رئيسى وبناء توافق وطنى هو ما أدى إلى ارتباك خطاب أصحاب مبادرة «إحياء التيار الرئيسى المصرى» بشأن طبيعة تلك المبادرة ومفهوم هذا التيار، وكذلك عدم وضوح تصورهم للدور الذى يقومون به على وجه التحديد. ولا يخلو من مغزى، إن لم يكن هذا هو كل المغزى، تناقض مواقع من أطلقوا مبادرة (إحياء التيار الرئيسى المصرى) الآن، حيث يدعم بعضهم خارطة المستقبل، ويرفضها بعضهم الآخر، ويقف بعض ثالث فى الوسط بين الموقفين، ويلفت الانتباه أن أحد أهم أصحاب تلك المبادرة أصبح مستشارا لرئيس السلطة الانتقالية الراهنة، بينما كان واحد آخر منهم مستشارا لرئيس سلطة «الإخوان» السابقة. غير أن فشل فكرة «التيار الرئيسى»، حين طُرحت على أساس تعددى، لا يبرر الدعوة التى ازدادت فى الشهور الأخيرة إلى صيغة وطنية جامعة تتجاهل التعدد والتنوع، وتنحو إلى الأحادية والشمولية، وتحمل فى بعض الأحيان ملامح فاشيّة. ولذلك تشتد الحاجة الآن إلى توفير المقومات الموضوعية اللازمة لأى صيغة تعبر عن معنى الصيغة الوطنية الجامعة على أساس تعددى، من خلال مراجعة دقيقة للخريطة السياسية- الاجتماعية وفحص تضاريسها، سعياً إلى تحديد الوزن النسبى للقوى التى تؤمن بالديمقراطية بدرجات مختلفة، ثم تشريح كل منها لمعرفة ما يجمعها وما يفرّقها، وهل يمكن إيجاد قدر معقول من القواسم المشتركة بينها، رغم الاختلافات والخلافات بينها. ويبقى فى النهاية السؤال العام عما إذا كان ممكناً الحديث عن صيغة وطنية جامعة فى مجتمعات عصرنا الراهن الذى تزداد فيه النزعة الفردية فى أوساط الطبقة الوسطى- التى تمثل القاعدة الاجتماعية الأساسية لمثل هذه الصيغة- بفعل مؤثرات الثورة الصناعية الثالثة، وفى القلب منها ثورة الاتصالات التى جعلت مواقع التواصل الاجتماعى بمثابة منابر لإطلاق أعداد لا نهائية من التيارات فى مختلف المجتمعات؟. نقلاً عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صيغة وطنية جامعة لا أحادية ولا فاشية صيغة وطنية جامعة لا أحادية ولا فاشية



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt