بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
يُبخَسُ حق المقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة حين يُختزلُ قبول حكومة نيتانياهو اتفاق وقف إطلاق النار فى تدخل الرئيس الأمريكى الجديد ترامب ومبعوثه ستيف ويتكوف. كان لهذا التدخل أثره المهم بطبيعة الحال. ولكنه ما كان له أن يُحقَّق ما ظل بعيدًا عن المنال لشهور إلا لفشل قوات الاحتلال فى معركةِ الفصل.. معركةُ فصل محافظتى شمال القطاع، والقضاء على المقاومة فيهما، وتهجير سكانهما، وتحويلهما إلى منطقة عسكرية استيطانية مغلقة. كان هذا هو جوهر الخطة التى أعدها عدد من الجنرالات المتقاعدين بقيادة الجنرال جيورا أيلاند، وأُطلق عليها بالتالى خطة الجنرالات. وهى تقضى بفرض حصار كامل على شمال القطاع، وإرغام سكانه على النزوح جنوبًا عن طريق القضاء على مقومات الحياة فيه، بما فى ذلك التجويع الإجرامى. كلمتا السر فى هذه الخطة، كما هو واضح، القضاء على المقاومة وتهجير السكان. لم تقدر قوات الاحتلال على هذه أو تلك. صمدت المقاومة فى ظروف تبدو مستحيلة فى أى تحليل عسكرى لا يأخذ فى الاعتبار إرادة البشر وإيمانهم بقضيتهم واستعدادهم للموت لنيل الشهادة. لم تستطع قوات الاحتلال القضاء على مقاومين بقوا فى مخيم جباليا، وكبدوها خسائر قياسية. وعندما أعيتها الحيل كثفَّت هجماتها فى بلدة بيت حانون المجاورة اعتقادًا فى أنهم يأتون منها ويعودون. وكان الفشل نصيبها أيضًا. فقد واجهتها فى البلدة مقاومة لا تقل فى ضراوتها عن تلك التى أعيتها فى المخيم. كما صمد عشرات الآلاف من سكان محافظتى الشمال برغم الظروف المتناهية القسوة. أصروا على البقاء مع أطلال بيوتهم لإحباط خطة الاحتلال الجهنمية. استُشهد بعضهم وبقى الآخرون صامدين لا يُزَعزَعون. وعندما سجل كاتب السطور بعض جوانب هذا الصمود الذى يتجاوز الخيال، فى اجتهاد 28 ديسمبر الماضى «أسطورة جباليا»، لم يكن يعرف أنه سيُسهم بنصيبٍ وافر فى إرغام العدو على قبول اتفاق وقف النار بعد أيام. والآن يتبين أن وصف ما حدث فى جباليا، وشمال القطاع عمومًا، بأنه أسطورى لا ينطوى على مبالغة. إنه فعلاً صمودُ أسطورى فى ملحمةٍ سيقفُ التاريخ أمامها طويلاً.