توقيت القاهرة المحلي 14:00:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

  مصر اليوم -

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

بقلم : د. آمال موسى

في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي كان الخطاب السياسي في الدول السائرة في طريق النمو، يقوم على أفكار رئيسية وكبرى، من بينها مسألة «العدالة الاجتماعية». وفي الحقيقة لم تكن المجتمعات تصف في تلك العقود هذه الفكرة وغيرها بـ«الشعارات الفضفاضة»، بل كان هناك شبه إجماع على جدية هذه الأفكار والأهداف، وتم الانخراط فيها بوصفها مشروعات ومسارات تحتاج إلى التكاتف والعمل والاجتهاد والإبداع.

غير أنَّ تعثر هذه المسارات، ولحظات الإخفاق التي عرفتها، قد حوَّلت الأفكار النبيلة الكبرى إلى مظاهر تسويق سياسي و«شعارات فضفاضة»، كما يحلو للكثيرين توصيفها.

طبعاً، لا شك في أن المجتمعات بقيادة النخب السياسية في الفضاء العربي الإسلامي، وأفريقيا، ومختلف البلدان الرامية إلى خوض معركة التخلف، قد حقَّقت في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعيتين بعض الخطوات التأسيسية المهمة، ولكن ظلت قليلة وأقل من التوقعات، ومما كان يجب قطعه، خصوصاً أن السياق اليوم يُظهر الفروقات أكثر ممّا كان يُظهرها قبل نصف قرن.

هناك معطى مبدئي من المهم توضيحه، وهو أن الأفكار الكبرى عبارة عن مسارات لا نقطة نهاية لها، ولا سقف يحدها. مثلاً التنمية الشاملة والمستدامة هي عملية مستمرة في التاريخ الاجتماعي للشعوب ولا يمكن اكتمالها مهما بلغت المجتمعات مستويات عالية من النماء. فالعدالة الاجتماعية مسار مفتوح وطموح.

المشكل القائم في الوقت الراهن هو هيمنة شعور عام في الدول التي لم تبلغ الخطوة الدنيا في مسار العدالة الاجتماعية، مفاده بأن المسار في حالة شبه تعطل في العقدين الأخيرين تقريباً. لذلك فإن حتى الأمم المتحدة، من خلال الشعار الذي اختارته هذا العام للاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، دعت إلى تجديد الالتزام بالتنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، وما نفهمه من هذه الدعوة هو أن المنجز في مجال العدالة الاجتماعية لا يؤكد فكرة الوفاء بالالتزام.

لنتذكر جيداً أن فكرة العدالة الاجتماعية ليست ميتافيزيقية أو هلاميّة، بل هي فكرة حاملة لمؤشرات قياس عملية وواضحة ومتفق حولها قبل وبعد إعلان كوبنهاغن سنة 1995، وتتمثل في مدى التقليص في نسبة الفقر، وتوفير العمل اللائق للجميع. وهنا لدينا مؤشر الناشطين، ومؤشر البطالة، إلى جانب مؤشرات تقلص الفجوة في مجال المساواة بين الجنسين، ناهيك عن التشريعات المتصلة بالحماية الاجتماعية والإدماج الاجتماعي. فجوهر العدالة الاجتماعية هو تحقيق الكرامة للجميع ومن دون استثناء. وكل دولة تستطيع أن تحدد منجزها استناداً إلى المؤشرات المذكورة والمتفق عليها دولياً.

إذن، قطار العدالة الاجتماعية يسير ببطء من سنوات، وبدل تقلص الفجوات والفروقات يمكن ملاحظة ازديادها لأنَّ السياق الراهن حقوقياً وتكنولوجياً واتصالياً زاد في إظهار هذه الفجوات، فبدت كأنها تضاعفت.

كيف يمكن فهم هذا التعطل في قطار العدالة الاجتماعية في غالبية البلدان اليوم؟

موضوعياً، من المهم توضيح أن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ورهانات مجتمعية واضحة، وخطة دولة محكمة. وما نلاحظه أن ميزانيات غالبية الدول ذات الموارد الطبيعية المتواضعة في السنوات الأخيرة وتحديداً من تاريخ حدوث جائحة «كورونا»، التي أظهرت بدورها حجم الفجوات، فكانت السبب المزدوج من ناحية أنها السبب في ازدياد الفجوات، والسبب في إضعاف ميزانيات الدول لما فرضته الجائحة من حجر صحي ومصاريف طارئة وإفلاس مؤسسات... وبناء عليه لا يمكن لدول منهكة الميزانيات وتدير الأزمات في الداخل والخارج كرجال المطافئ أن تراكم منجزها في العدالة الاجتماعية. فالدول التي تحقق الإنجازات وتحرز التقدم في التنمية الاجتماعية ورفاه مجتمعاتها تحتاج إلى إطار عمل استراتيجي، لا أن تدير الشؤون العامة يوماً بيوم باعتبار أن غالبية الدول تجد نفسها مجبرة على معالجة الطوارئ وإرجاء مشروعاتها الاستراتيجية التي تصب كلها أو معظمها في باب التنمية والعدالة الاجتماعيتين.

لا يتوقف الأمر عند المال الذي هو في هذا السياق قوام العدالة الاجتماعية، بل هناك شرط آخر مهم يتمثل في الاستقرار داخل كل دولة أولاً، والاستقرار عالمياً أولاً وثانياً. ونقصد بذلك أنه منطقياً وعملياً من غير الممكن التقدم في مسار العدالة الاجتماعية في لحظة دولية ذات كثافة من ناحية عدد التوترات والصراعات في العالم. وهو ما يفيد بأن العدالة الاجتماعية كي تحرز التقدم اللازم تحتاج إلى الاستقرار كما هي حال أي عملية بناء حقيقية في العالم. ذلك أن هذا العالم الموصوف منذ عقود بأنه أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الاتصال، فهو في الأزمات يتحول إلى ما هو أصغر من القرية الصغيرة بحكم التشابك الدولي وتعقده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية حول بطء قطار العدالة الاجتماعية



GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

GMT 11:30 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

حرب «الميمز» الإيرانية

GMT 11:27 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

المشكلة في تكوين النظام!

GMT 10:47 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

قنبلة الوقود تنفجر فى أماكن كثيرة

GMT 10:45 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

فى العدوان الصهيو ــ أمريكى ..من خسر السباق ؟!

GMT 10:45 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

إيران... هل تتجه صوب هدنة أخرى؟

GMT 10:25 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

(أوراقي 22)... حلمي رفلة (شيخ حارة) الفنانين!!

GMT 10:21 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

الثلاثة معًا

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ياسمين صبري تتألق بإطلالات كاجوال ورياضية أنيقة

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:10 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ميتسوبيشي تكشف عن موعد طرح الأسطورة "باجيرو 2026"

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 21:29 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

إيلون ماسك ينفي علمه بتوليد صور عارية لقاصرين عبر غروك

GMT 17:55 2025 الثلاثاء ,10 حزيران / يونيو

محمد النني لاعب الشهر فى الدوري الإماراتي

GMT 14:43 2017 الأربعاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

الإسماعيلي يطلب الحداد أمام سموحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt