توقيت القاهرة المحلي 12:12:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بعد الأزمة: الخروج من المادية إلى الروحانية!

  مصر اليوم -

بعد الأزمة الخروج من المادية إلى الروحانية

بقلم: عماد الدين أديب

من أهم التغيرات الجوهرية المفصلية التى تشهدها البشرية الآن التغير فى السلوك الإنسانى من «المادية» إلى «الروحانية».

طغى الإنسان وتجبر واعتقد أنه قادر بسلطان العلم، وسطوة المال، وثورة الاتصالات، وعبقرية التكنولوجية المتقدمة، على إدارة شئون الحياة، والسيطرة الكاملة على الحاضر والمستقبل.

الآن يعيش أكثر من نصف سكان كوكب الأرض فى 205 دول محتجزين، إما طوعاً أو بالأمر، فى بيوتهم، بداخلهم شعور عظيم بالعجز والخوف والشك والقلق غير المسبوق.

الآن، والآن فقط، عرف «الإنسان» حقيقة ضعفه إزاء الطبيعة، وسطوة الأوبئة، وفوق ذلك كله عرف أنه مهما طغى فى سلطان القوة فهو مجرد ذرة فى صحراء، وقطرة فى بحر أمام قدرة خالق هذا الكون.

الآن، لأول مرة، يجلس الإنسان حبيساً مع عقله ونفسه وروحه ويعيد النظر فى أعماق الأعماق ويعيد حساباته فى هذه الحياة.

الآن يدرك الإنسان أن الراتب الثابت المضمون، والحساب البنكى ذا الفوائد، وبطاقة التأمين الصحى الخاصة به وبأسرته، والعضوية فى أكبر النوادى الرياضية والاجتماعية، والبيت الكبير، والشاليه الصيفى، كل ذلك ليس هو «بوليصة تأمينه» فى هذه الحياة.

باختصار يدرك إنسان اليوم أن الماديات لا تعنى السلامة، ولا راحة البال، ولا السلام الداخلى مع النفس.

إنسان اليوم، ابن ثقافة الحضارة المادية الغربية، يعيد تقليب حساباته وقناعاته.

إنسان اليوم، مأزوم، لأنه استبدل رب الكون برب العمل، وثواب الآخرة بفوائد البنك، ورضاء السماء بنفاق أهل الأرض.

إنسان اليوم، عاش كثير الكثير من المادية، مقابل قليل القليل من الروحانية.

ولكن ما هى «المادية» وما هى «الروحانية»؟

التفكير المادى قام فى أوروبا لإثبات أن المادة وحدها هى القادرة على خلق التقدم فى كل المجالات، وهى مفتاح السعادة الوحيد للإنسان فى كل زمان ومكان.

وبعد الحرب العالمية الثانية ازدادت هذه الاتجاهات وتطورت إلى نزوع وجودى قوى بعيد عن الفكر والسلوك الروحانى.

أما «الروحانية» فهى متأثرة بالفكر المسيحى الكنسى فى أوروبا خلال القرون الوسطى التى دعت إلى «تغذية النور الكنسى مقابل الفكر المادى المظلم». وقامت على فكرة «نفخ الإله للحياة فى الكائنات» لذلك يتعين أن يتربع الخالق فى عقل وروح الإنسان لكونه مصدر الخلق.

وقد تنبه الكاتب والمفكر الفذ د. طه حسين إلى هذه المسألة فى كتابه القيم «مستقبل الثقافة فى مصر» حينما قال: «إن الحضارة الأوروبية مادية مسرفة فى ماديتها لا تتصل بالروح وهى من أجل ذلك ستظل فى شقاء».

ومصطلح «الروحانية» يشتق من لفظة «الروح» المشتقة من الفرنسية، المشتقة بدورها من اللاتينية وهى تعنى «الروح والنفس» وتعنى أيضاً «التنفس».

وكل من الماديين والروحانيين وقع فى منزلق التطرف الشديد.

الماديون ذهبوا فى نظرتهم لسيادة الفكر المادى واعتبار الإنسان بلا روح أو مصدر أقوى للدعم واللجوء إليه.

الروحانيون تطرفوا إلى حد تفسير كل السلوك الإنسانى على أنه سلوك غير إرادى، ووصلوا إلى السلوك «الكهنوتى» أو «الدروشة» التى تسلب الإنسان مسئوليته عن العمل والخلق والخيال الإبداعى والجهد الإنسانى.

وقد وصل العقل الدينى الإصلاحى إلى اعتبار الروحانية الحديثة أنها سلوك يؤمن بقدرة ومسئولية للإنسان، لكنها سلوك مؤمن بقدرة الخالق الذى يتجاوز كل الإرادات وكل الماديات لأنه القوة المطلقة والحق المطلق.

ها هو إنسان اليوم، يعود إلى تقييم طغيان المادية على حياته من ناحية، وضعف الكفاءة وسيطرة التواكل على سلوكياته من ناحية أخرى.

إن حالة الضعف الحالية خلقت شعوراً بالعجز لدى إنسان اليوم، مما يجعله يعيد النظر فى مدى قدرته «كسوبر مان» خارق قادر على أى شىء وكل شىء.

وإذا كان مجتمع ما بعد الكورونا سوف يعيد النظر فى بعض الحكام، والحكومات، والأنظمة، والقيم والمعايير والسلوكيات والاقتصادات، فإنه سوف يعيد إلينا «البحث داخل الذات» والعودة العاقلة إلى الروحانيات.

وهذه المسألة هى الجانب الأكبر إيجابية فى أزمة الوباء التى نحياها الآن.

لذلك كله ندعو الله بالهداية، وندعوه: «اللهم لا تُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بعد الأزمة الخروج من المادية إلى الروحانية بعد الأزمة الخروج من المادية إلى الروحانية



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt