توقيت القاهرة المحلي 18:43:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

"صعدتُ"، سعيتُ بين "البشارتين"

  مصر اليوم -

صعدتُ، سعيتُ بين البشارتين

حسن البطل

من سهل البطوف "صعدت" إلى الناصرة. خَدَر معاكس للأحاسيس المسبقة. دائماً تخيّلت للعودة إحساس الهبوط. ربما قلت: للعودة قانون الجاذبية. ربما قلت: للمنفى قانون النبذ المركزي.. أو، ربما هدّني تعب التحليق أربعين عاماً. "غطّ الحمام. طار الحمام".. و"الإنسان طير لا يطير"!
وحسناً، أنني صعدت من ذلك السهل تلك المنحنيات، معارج قصيرة، فليكن للهبوط خَدَرُ معراجي الأول إلى مدينة البشارة. شيء يضغط في أذنيك قبل الهبوط وبعد الصعود. وشيء آخر يوسّع فضاءً بين قلبك وشغاف القلب!
هذا هو "الشيء"، إذاً؛ أن يكون للصعود خدر الهبوط. أضاليل حواس لأنك كلك عين جميعك قلب.
وما أنت ابن آدم إلاّ سليل الهبوط الأول، وما أنا الفلسطيني إلاّ ابن الخروج الكبير. خروج هو كالطرد والنبذ. لآدم قصتنا جميعاً، ولي مع الهبوط - الصعود قصتي الأخرى تماماً.
هذا هو الصعود هبوطاً إلى ألفة المكان وادعة، وفي الصدر هرّ كسول.. وللسان الذي تلعثم كثيراً بين "أخي" و"أخوي" أن يستريح هو الآخر: "خيّا". هذه هي لهجتي الأم، وهنا - في دكاكين شارع بولص السادس - تستطيع أن تحكي لكنتك الفلسطينية الأم: "خيا، خيتا".
هنا، لن "يُلاوقُكَ" أحد، فلو رأيتَ جدولاً يسيل لقلتَ ببديهة البساطة: الميّ طايحة".
وكم في غوطة دمشق "لاوَقَنا" أولاد فلاّحيها في الشارع أو في صفوف المدرسة: كنا نهتف: "النهر طايح" وكانوا "يلاوقوننا" قائلين: بل "النهر جاري"، وما كنا نحتمل من أحد أن "يلاوق" لسانه على لساننا.. وإلاّ، تطايرت الحجارة في "طوشة" أولاد أخرى، كنا ننتصر بها دائماً.. غير أن صفة "النهر الطايح" توارت عن ألسنتنا.. إلى أن صعدت الناصرة!
عدت إلى فلسطيني من بوابة الجسر على النهر، لكن بقيت في الروح "لخمة" سؤال عن فلسطينيّتي في اللسان، وفي طريقة ارتداء "الحطّة البيضاء" كما يرتديها أبي، وفي زِيّ فلاّحات الجليل الأكثر بساطة كما زيّ أمي. في المدن المختلفة (حيفا - يافا - عكا) ليس للروح مرفأ العائد، وفي الناصرة كان عليّ الصعود حتى أهبط لمرفأ العائد.
* * *
بين "بشارة" صغيرة معتّقة بعبق قرون من البخور، وأخرى "بشارة" عملاقة.. كان الطواف حتى يكون لهذا الشيء شيء من "تركيب العطور". سعيت بين كنيستي البشارة. دخلت "كيوسك" قرب كنيسة النبع الذي لا يكفّ عن النبع.
سألت عن جريدة "الأيام" وجريدة "القدس". سجلت فوق قبة الصخرة (المرسومة في الجريدة) عبارة ذات رنين، كلمات تبريك بالست مريم. ضاعت الجريدة ومعها العبارة. سأعود يوماً لأنسخها، وستكون تلك العودة "هبوطاً".
عشرين عاماً اشتغلوا حتى سَمَقَتْ قبّة كنيسة البشارة الجديدة.. فكانت كنيسة للرب وللعالمين أيضاً، فعلى طول جدرانها أيقونات عملاقة من روما ومن تايبيه؛ من بوليفيا ومن الولايات المتحدة.. ومن روسيا وحتى جنوب إفريقيا.. ولكل حاج أن يجد بلده في كنيسة الرب والعالمين هذه.. والناس تذهب - تصعد حجيجاً إلى الناصرة. والناصرة تلهث أنفاسها من الركض الى خط نهاية السباق مع العام ٢٠٠٠، فيكون شارع بولص السادس ورشة. أمّا كنيسة البشارة الكبيرة فهي نموذجية لصلاة منتصف الليل بين عام وعام؛ بين قرن وقرن.. وبين ألفيّة وألفيّة.
هل هي أكبر كنائس العالم كما يقال، أم هي أكثرها رحابة كما تقول العين بفضل ما أبدع عقل ذلك المهندس في تطويع أعمدة حجرية متشابكة، واختزالها بأعمدة من الخرسانة المسلّحة، التي تحسّ أن عريها مرآة عري ابن مريم على صليبه. عارية كالعظام.. وقوية كالعظام.
* * *
من كنيسة لا تشابهها كنيسة، حتى "المهد" و"القيامة" و"كاتدرائية فاسيلي" الموسكوبية و"نوتردام" الفرنسية.. من كنيسة البشارة إلى مطعم نبع الست مريم الذي لا يشابهه مطعم أو "مسعدا" أو "رستورانت".
سألنا عن أفخر نبيذ نصراوي أو جليلي، فجاءنا مع أفخر مازّة تضاهي مازوات "زحلة" و"بحمدون". بعد الرشفة الأولى كانت الروح قد حلّقت.. وعلى ورقة هي فوطة الطعام، كتبت:
للأسبوع سبعة أيام
أعيشها ثمانية
هل عشتها أنت ستة؟
من عاشها خمسة لم يولد
من يعيشها تسعة يموت
قال صاحبي "أبو ابراهيم": "بَسّ يا حسن".
فأضفت:
إذا القلب من ذهب
فللزمن وليمة من الصدأ.
حسن البطل
21 - 2 - 1998

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صعدتُ، سعيتُ بين البشارتين صعدتُ، سعيتُ بين البشارتين



GMT 07:40 2026 السبت ,02 أيار / مايو

شاعر اليونان كانَ مصريّاً

GMT 07:38 2026 السبت ,02 أيار / مايو

عيد الإهمال العالمي

GMT 07:36 2026 السبت ,02 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 07:31 2026 السبت ,02 أيار / مايو

مَن هو الخليجي؟!

GMT 07:28 2026 السبت ,02 أيار / مايو

«أَرَقٌ»... ثَلَاثةُ أَحْرُفٍ و13 معنًى!

GMT 07:25 2026 السبت ,02 أيار / مايو

حروبٌ بلا سلاح

GMT 07:20 2026 السبت ,02 أيار / مايو

الكلمة ليست «للميدان» فقط

GMT 07:18 2026 السبت ,02 أيار / مايو

كان ها هنا مُحافظ

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:33 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج القوس

GMT 08:15 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 02:05 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

الزمالك يفاضل بين الترسانة والاتصالات لإعارة ندياي

GMT 12:40 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

خواطر التدريب والمدربين

GMT 03:46 2019 الأربعاء ,10 إبريل / نيسان

أفضل تصميمات لكوشة العروس تتناسب مع أجواء زفافكِ

GMT 11:02 2018 الأحد ,16 كانون الأول / ديسمبر

دور الاستثمار العقاري الخارجي في التنمية الاقتصادية

GMT 23:12 2020 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

طارق العريان يوجه رسالة لـ"أصالة" عقب إعلان الانفصال

GMT 10:53 2019 الإثنين ,21 تشرين الأول / أكتوبر

5 دلائل على زواج عمرو دياب ودينا الشربيني
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt