توقيت القاهرة المحلي 12:23:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حركات إعراب.. المشهد

  مصر اليوم -

حركات إعراب المشهد

حسن البطل

1- السكون .. لكن، لم تحتلنا الهواجس. هذا جيد، فلم نر في أسراب ذباب فوق ثلاثة أكياس من البلاستيك الأبيض، كفناً لجثة مقطعة الأوصال، أو ثلاث جثث. الطريق، من مفرق سردا، نزولاً الى مفرق التفافي بيت إيل، يحتله السكون.. وحطام سيل من عاصفة المطر، وجثث سيارات مهروسة، وبصمة جنزير دبابات الميركفا-3 (70 طناً من الفولاذ) تبدو بصمة هندسية تماماً. ملء ثلاثة أكياس من الفراخ المذبوحة، المربوطة بإحكام، صارت فطيساً، بعد ان غير جيش الاحتلال "فورة" التجوال ثلاث ساعات يومياً يوماً آخر. أربع اقدام فقط: قدماي وقدما صديقي تطرق سكون الشارع، وتجتاز الحاجز الشهير (صار حاجزين: احدهما خندق يبقر الشارع، والآخر متراس). فوضى السيل؛ وفوضى مكعبات الحاجز؛ وفوضى السيارات المدنية المهروسة. كان المكان صورة مصغرة عن لقطة من فيلم "اليوم التالي" لحرب نووية. في المكان فيزياء الخراب، وفي عظامنا كيمياء العناد. سيعود الشارع الى فوضاه، اذا عاد الجنود الى حاجزهم. فاذا لم يعودوا بدأت عجلات الشاحنات الثقيلة في تذليل عقبة المتراس، وفي ردم عقبة الخندق. هكذا صار. بالفعل، لم يعد الجنود، منذ سقط احدهم على الحاجز، ولم يعودوا إلى ذلك المبنى نصف المكتمل، أعلى التلة، الذي جعلوه منطرة تكللها أقمشة التمويه العسكرية ( الكامفولاج). تم تحرير الحركة، جزئياً جداً، في ذلك الحاجز الشهير جداً، وصار المرور سالكاً بصعوبة بالغة. في ذاكرتي البصرية حالات الطريق كلها، منذ كان ضيقاً ومتهرئاً، الى ان صار فخر الشوارع بين المدن في الضفة، الى ان صار نموذجاً من ذلك الحوار، متعدد الوجوه والفصول، بين حق المرور الآمن، الفلسطيني وضريبة الامن الغاشم الإسرائيلي. ذاهبان، لمرة أولى منذ ثلاثة أسابيع، لرؤية ما فعلته آلة الحرب في وجه المدينة. كان الجو في السماء ذيول عاصفة. وكان الجو في الشارع سكوناً غريباً. ومن حيث التقطت، ذات مرة، قنبلتي غاز فارغتين وجعلتهما مزهريتين.. كانت هناك ثلاثة اكياس معبأة بجثث الفراخ المذبوحة والمقدمة وجبة شهية لأسراب الذباب. 2- الفتحة أول علامة عودة الشارع الشهير الى الحراك هو سيارات الشحن الثقيلة. ملء صناديق من البحص والرمل، وحديد التسليح، وأخشاب البناء، او خلاطات الإسمنت. طوال أربعة شهور متواصلة غابت هذه الحركة عن هذا المقطع من الشارع ثم غابت سيارات الإسعاف. بقي أسطول سيارات الأجرة الأصفر يقف أمام "مرفأ" حاجز المتراس، أو "مرفأ" حاجز الخندق.. ويقطع الناس المسافة على أقدامهم، وبأيديهم حاجات قوت يومهم، او حاجات تحصيل علمهم في جامعة بيرزيت، او مدارس رام الله. لا منطق في فوضى حاجات الناس، لأنها فوضى منطقية تماماً. لا منطق في القصد المدروس للحواجز، لأنها تعسف غير منطقي ابداً. المنطق هو ان الفتحة في اللغة اقوى من السكون.. وفي نبض الحياة ايضاً. 3- الضمة نيسان ماطر على غير العادة، بارد فوق العادة.. وبين انقشاعتين تصرخ كائنات الغطاء النباتي طلباً لنور الشمس. نيسان أيضاً، ساكن على غير العادة في حركة بناء المساكن. همدت حركة البناء تماماً، لأول مرة منذ اتفاقية أوسلو. في سكون حركة العمار، اكتشفتُ الحكمة التي جعلت مشهد المسكن الفلسطيني يختلف عن مشهد المسكن في المستوطنات المجاورة، اكتشفت هذه البديهية، الغائبة سهواً، عندما حطمت الدبابات والجرافات قساطل المياه، فلجأت الناس الى مخزون "آبار الجمع" من مياه الشتاء. "عكروت" يسمى عاموس جلعاد، كبير ضباط الإدارة المدنية، يقول على شاشة تلفازهم: بفضلنا لم يعطش الفلسطينيون. لم يجوعوا. لم ينفد الأوكسجين من مستشفياتهم. لسطوح بيوت مستوطناتهم قبعات من قرميد. لا يهدد ساكنيها زمن الشحائح ما داموا جعلوا الضفة الغربية كلها مثل سطح جمع لتغذية مخزونهم من المياه. نحن نبني وهم يبنون بطريقة مختلفة، وبسقوف مختلفة.. ومن اجل ان نبني تجتاز سيارات مواد البناء طرقنا المغلقة بحواجزهم، غفلة عن عيونهم، او احتيالاً على يقظتهم. - الكسرة لعل الإنسان نبات من البروتين؛ والنبات انسان من اليخضور. ها نحن نتصارع وإياهم على الأرض، وعلى حقنا في افق بين الأرض والسماء. يحكون عن الفصل الديموغرافي، ثم يحكون عن الوصل البيدوغرافي (التربي)، ولا يتعلمون ديمقراطية النبات الذي يغشى أديم هذه الأرض. أديم هذه البلاد غني جداً بالتنوع النباتي، من نباتات شبه قطبية، الى نباتات استوائية. لكن، حتى النباتات المتوسطية من الأعشاب البرية، تتصارع بطريقة ديمقراطية. عشرون او ثلاثون نوعاً متجاورة.. وفي كل عام يطغى، نسبياً، نبات ما، ليطغى، في عام آخر، نبات آخر. نبات هذا العام الطاغي هو السّفيرية (بتشديد حرفي السين والفاء). إنه أشبه بسرب من السنونو الأخضر المربوط بخيط هو ساق النبات، حتى إذا هزته النسائم، أو عصفت به الريح، بدأ يبحث عن بوصلة ما لافق ما، لسماء ما.. وفي أيار تفرد هذه "السنونوات" أجنحتها من الشوك، ثم تذهب بعيداً في كل اتجاه.. بانتظار دورها من سيادة نباتات الربيع. ربما بعد خمسة أعوام أو عشرة يأتي "ربيع سفيري" آخر. نقلاً عن  جريدة الأيام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حركات إعراب المشهد حركات إعراب المشهد



GMT 07:40 2026 السبت ,02 أيار / مايو

شاعر اليونان كانَ مصريّاً

GMT 07:38 2026 السبت ,02 أيار / مايو

عيد الإهمال العالمي

GMT 07:36 2026 السبت ,02 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 07:31 2026 السبت ,02 أيار / مايو

مَن هو الخليجي؟!

GMT 07:28 2026 السبت ,02 أيار / مايو

«أَرَقٌ»... ثَلَاثةُ أَحْرُفٍ و13 معنًى!

GMT 07:25 2026 السبت ,02 أيار / مايو

حروبٌ بلا سلاح

GMT 07:20 2026 السبت ,02 أيار / مايو

الكلمة ليست «للميدان» فقط

GMT 07:18 2026 السبت ,02 أيار / مايو

كان ها هنا مُحافظ

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:50 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:29 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

تصميمات داخلية للمنزل المتواضع مع درجات ألوان مُحايدة

GMT 00:01 2025 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

الإسماعيلى ينتظر رد فيفا من أجل رفع إيقاف القيد مجددا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt