توقيت القاهرة المحلي 17:26:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحيل شيراك وتبدُّل أصدقاء لبنان

  مصر اليوم -

رحيل شيراك وتبدُّل أصدقاء لبنان

بقلم : حسام عيتاني

حريٌّ برحيل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، أن ينبّه اللبنانيين إلى خسارتهم المتزايدة لأصدقائهم في العالم وإلى الدور الكبير الذي أدّته «الصداقة» في توفير قدر ملموس من الحماية والمصالح للبلد الذي يعيش حالياً أحد أسوأ فصول تاريخه الحديث.
ليس المقصود هنا الصداقة الشخصية التي قد تجمع بين مسؤولين من بلدين مختلفين فيوظفانها للخدمة العامة، على ما يُقال عن الصداقة التي جمعت شيراك برئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، بل عن حاجة لبنان ذي التركيبة السياسية والاقتصادية الهشة والموقع الجيوسياسي المضطرب إلى أصدقاء حقيقيين يقفون إلى جانبه في أوقات الأزمات.
وأدرك مؤسسو لبنان منذ اليوم الأول لقيامه نقاط ضعفه وسهولة تلاعب القوى الخارجية به واستخدام بنيته الطائفية القلقة في صراعات أكبر منه وكساحة حروب إقليمية ودولية. ويجد الباحث في كتابات شخصيات مثل ميشال شيحا اهتماماً بفكرة صداقة لبنان مع الدول الكبرى على الرغم من حصر الرجل فهمه للصداقة في المكاسب المباشرة والسريعة التي يحق للبنانيين أن يجنوها من «صداقات» هي - بهذا المعنى - أقرب إلى الصفقات.
ولا مفر من الاعتراف بأن السلطات اللبنانية لجأت إلى استخدام انتهازي للصداقات التي أقامها مسؤولون رسميون وأكاديميون وسياسيون من مشارب شتى مع الخارج. ويؤخذ على لبنان، على سبيل المثال، أنه استفاد – بين الأربعينات والسبعينات من القرن الماضي - من علاقاته العربية لتحقيق ازدهار اقتصادي في الوقت الذي كان يرفض فيه المشاركة في العمل العربي الذي يتناول القضية الفلسطينية بذريعة ضعف قوته العسكرية وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه في حال تعرض لعدوان إسرائيلي. في المقابل، لا يقل صحة القول إن لبنان تعرض لتدمير شبه منهجي يرجع بعض أسبابه إلى تبنيه سياسة انفتاح وحرية نسبية فرضتها توازناته الداخلية (وليست زجليات حب اللبناني للحرية) وضآلة رقعته الجغرافية وموارده الطبيعية.
لكن حتى هذا الفهم الأداتي - الانتهازي للصداقة ولضرورة الانفتاح لبلد له ما للبنان من مقومات خفيفة الوزن على الساحة الدولية، يتعرض منذ أعوام لهجوم عنيف يدفع بلبنان إلى المزيد من العزلة العربية ويضعه في مواجهة حصار دولي محكم. عملية تفكيك صداقات لبنان العربية والدولية تصدر من فقر الخيال الذي صاغ السؤال عن الموقع الذي يجب أن يحتله لبنان المرموز إليه بعاصمته بيروت: «هانوي أو هونغ كونغ»؟ طُرح هذا السؤال في التسعينات عندما تعارضت للمرة الأولى مقتضيات إعادة الإعمار (بكل علّاتها وسلبياتها) بعد الحرب الأهلية، مع ضرورات متابعة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يحتفظ بجزء من الأراضي اللبنانية. المفارقة أن اختيار «هانوي» كردٍّ على السؤال كان اضطرارياً، وبعد فشل إعادة الإعمار كمسار سياسي - اقتصادي لا كعملية هندسية تشمل بناء المطار والطرق السريعة ووسط العاصمة، فحسب.
ولئن كان أصدقاء لبنان الجدد، كبشار الأسد وقاسم سليماني ومن يشبههما، ليسوا من النوع الذي تفتخر أي دولة بصداقتهم، فإن المشكلة العميقة في هذه الصداقات الجديدة هي أنها لا تقدم شيئاً للبنان بل تحمّله أعباء هو في غنى عنها. عليه يكون اللبنانيون قد خسروا أصدقاءهم التقليديين في العالم العربي والغرب ولم يقيموا في المقابل منظومة من الصداقات التي توفر له الظهير القوي في زمن تتفاقم صعوباته وتحدياته.
من ناحية أخرى، إذا استقر رأي أكثرية اللبنانيين على أن «محور المقاومة» هو المكان الأنسب لهم ولمصالحهم، فلا بد من الانتباه إلى أن ذلك يجب أن يترافق مع تغييرات جذرية في بنى الاقتصاد والسياسة والتعليم في لبنان حتى تتلاءم مع الوظائف المستجدة في سياق المواجهة مع الأصدقاء السابقين. بكلمات ثانية، ما من داعٍ لحكم مسبق يستند إلى القيمة المتخيلة لمن هم الأصدقاء الأنسب للبنان، بل يجب أن يوضع كلٌّ من الخيارين على ميزان المصالح الوطنية ورفاهة المواطنين. فإضفاء العقلانية على السياسة شرط شارط للخروج من سخونة الخطابة والابتعاد عن الرذاذ المتطاير من أفواه الخطباء محروقي الأعصاب نحو تقييم نفعي - ربما - للصداقة التي قد تكون مبدأ لا يقل أهمية عن مبادئ الخطباء المفوّهين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحيل شيراك وتبدُّل أصدقاء لبنان رحيل شيراك وتبدُّل أصدقاء لبنان



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt