توقيت القاهرة المحلي 03:53:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مررتُ فى دمشق!

  مصر اليوم -

مررتُ فى دمشق

سليمان جودة

مررت فى دمشق على كوبرى قصير، لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، ومن تحت الكوبرى كان هناك ممر مائى ضيق، ينساب ماؤه فى هدوء، وكان تيار الماء محدوداً للغاية، وتكاد وأنت تمر لا تلتفت إلى الممر، ولا إلى الماء المنحسر عند القاع فى حياء!

تذكرت فجأة أن صديقاً سورياً كان معى فى الطريق من مدينة حمص إلى دمشق، بامتداد ما يقرب من مائتى كيلومتر، وأنه كان يحدثنى، على طول الطريق، عن نهر بردى، الذى يشق العاصمة السورية، والذى كان ولايزال من معالمها الرئيسية التى لا يمكن محوها من عقل كل شخص زارها.

ورغم أنى رأيت «بردى» من قبل، فى زيارة سابقة لسوريا، إلا أنى لأسباب ليست واضحة، تخيلته هذه المرة كنهر النيل عندنا فى القاهرة تماماً.. ربما لأن اعتيادنا منظر النيل الخالد وهو يشق البلد، من عند حدود السودان معنا، إلى الإسكندرية، قد جعلنا نعتقد أن هذا هو النهر، ولا نهر غيره، وأن الأنهار فى العالم تُقاس عليه، ولا يُقاس هو عليها!

وتذكرت أيضاً أن أمير الشعراء أحمد شوقى قد بقى إلى رحيله فى سنة 1932 يتغزل فى «بردى» ولا يكاد يذكره فى واحدة من قصائده، حتى يعود إليه فى قصيدة جديدة!

لم أتوقع أن يكون الممر المحدود، الذى مررنا من فوقه، هو نهر بردى بعينه، ولا توقعت أبداً أن يكون هذا التيار المائى الخجول هو كل ما عند إخوتنا السوريين من ماء يجرى فيه.

لقد كان الصديق السورى، فيما بين حمص ودمشق، يحدثنى عن النهر، حديث العاشق للمعشوق، وفى اللحظة التى مررت فيها، من فوقه، رأيت بعينى أن صديقى ليس وحده الذى يعشق هذا النهر الشهير عندهم، وأن الدولة كلها تشاركه العشق ذاته، وأن هذا العشق قد تجلى فى صورة اهتمام بمجراه، لا يمكن أن يكون اهتماماً عادياً، ولا يمكن إلا أن يكون اهتماماً من دولة واعية، ثم من مواطنين بعدها، ووراءها، ومعها، يعرفون معنى أن يكون فى عاصمة بلادهم نهر، ويعرفون أيضاً قيمة أن تكون فى هذا النهر قطرة ماء واحدة!

اهتمامهم بقطرات الماء فيه بدا لى واصلاً إلى حد يكاد معه كل واحد فيهم، يغلفها، قطرة.. قطرة.. ثم يضعها فى برواز، احتفاءً بها، وإدراكاً لقيمتها فى الحياة!

طافت صورة النيل الخالد فى ذهنى، وسألت نفسى عن حجم عائده، فى حياة أصحابه، لو كان يجرى فى أرض أخرى، غير أرضنا، ولو كان له أصحاب آخرون سوانا!

فى دمشق، تشعر، ثم ترى، أن بردى له صاحب يخاف عليه، وأن كل سورى يتعامل معه، على أنه نهره الخاص الذى يملكه، وأنه، كمواطن، مكلف بحراسته، وحمايته.. وفى القاهرة، لايزال نيلنا الخالد يبحث عن صاحب عند حكومتنا ومواطنيها معاً.. لايزال بكل أسف!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مررتُ فى دمشق مررتُ فى دمشق



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt