توقيت القاهرة المحلي 10:00:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جريمة على يمين «محلب»!

  مصر اليوم -

جريمة على يمين «محلب»

سليمان جودة

مررت قبل أيام من أمام فندق ميريديان القاهرة، فأصابنى الحزن الذى يصيبنى فى كل مرة أمر فيها من أمامه، وسألت نفسى فى ألم عما إذا كنا نستحق فعلاً أن يجرى النيل الخالد على أرضنا، أم أننا لا نستحقه، ولا يستحقنا؟!

فالذين سافروا منا قد رأوا بأعينهم كيف أن هذه الدولة، أو تلك، لا تملك من الأنهار على أرضها إلا ما هو أقرب إلى الترعة الصغيرة، منه إلى النهر بمفهومه الطبيعى، فضلاً بالطبع عن أن يكون فى حجم نيلنا العظيم، ومع ذلك، فإن احتفاءها بما تسميه نهراً عندها يدعوك إلى الإعجاب بها حقاً، ثم يدعوك إلى الأسى، حين تتذكر كيف هو حال النهر الخالد على أرض بلادك!

هل من حق المستثمر.. أى مستثمر.. أياً كان اسمه، أو حجمه، أو حجم أعماله، أن يشترى فندقاً فى موقع فريد، مثل الميريديان، ثم يغلقه هكذا بالضبة والمفتاح، لسنوات وسنوات، ويجعله مأوى للفئران والحشرات، ويحوله إلى خرابة على النيل.. تصور أنت خرابة على النيل من عشرة أدوار.. هل من حقه أن يفعل هذا بفندق هذا هو اسمه، وهذا هو موقعه الذى لا يكاد يجاريه موقع آخر لأى فندق فى البلد؟!

لقد كان المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء، حاضراً فى المناسبة ذاتها، التى حضرتها، عندما مررت من أمام «الفندق- الجريمة» إذا جاز أن نطلق عليه هذا الاسم، ولابد أنه قد مر عليه مثلى، ومثل غيرى، ونحن فى طريقنا لحضور حفل توزيع جوائز مصطفى أمين فى الصحافة، مساء الاثنين، ولا أعرف ما الذى دار فى ذهن المهندس محلب، وهو يمر أمام الفندق الساحر، أو الذى كان ساحراً، ثم أصبح مظلماً كئيباً، ينعى حظه معنا، ثم معه يأسف النيل الخالد على اليوم الذى كتب الله عليه فيه أن يجرى فى أرض لا يدرك أصحابها حقيقة قيمته عندهم، ويهيلون التراب عليه، وعلى المنشآت المطلة على شاطئه، فى اليوم الواحد، ألف مرة ومرة!

لا أعرف ما الذى دار فى عقل رئيس وزرائنا وهو يمر أمام فندق، كان قبل أن يستحوذ عليه المستثمر إياه، بلحظات، يمثل حلماً بعيد المنال، لدى كل قادم إلى القاهرة.. لا أعرف!

ولكننى أذكر تماماً كيف أن أديب السودان، الطيب صالح، كان لا يفارق ميريديان القاهرة إذا جاء إلى مصر، وحين سألته مرة عن السبب الذى يدعوه إلى الإقامة فى هذا الفندق تحديداً، دون غيره، وعن السبب الذى يجعله لا يغيره، نظر نحوى فى دهشة، ثم قال ما معناه إنه لا يتمنى فقط أن يقيم فيه فى كل زيارة له للقاهرة، وإنما يتمنى لو مات فيه أيضاً، لأنه، رغم إقامته فى لندن، ورغم أنه نزل فى فنادق كثيرة حول العالم، إلا أنه لم يصادف فندقاً له مذاق هذا الميريديان أبداً!

يرحمك الله يا أديبنا العظيم، فلا أعرف ما الذى كنت ستقوله، لو أنك جئت مرة لتحجز غرفتك فيه، كالعادة، فأخبروك بأن مستثمراً عربياً قد اشتراه، ثم أغلق أبوابه، وأخذ مفاتيحه، وسافر، وطلب ممن يعترض منا، أو من مسؤولينا، أن يخبط رأسه فى أى حائط يعجبه من حوائط الفندق!

يرحمك الله يا أديبنا الجميل، والحمد لله أنك غادرت عالمنا قبل أن تشهد هذه الجريمة متكاملة الأركان على شاطئ نهرنا الخالد، الذى بكل تأكيد، لا نستحقه، ولا يستحقنا.. وكيف نستحقه، أو يستحقنا، ونحن نهينه فى كل لحظة يبقى فيها الميريديان على هذا الحال البائس المحزن؟!

كانت الجريمة على يمين «محلب» فى طريقه لحضور الحفل، ثم على يساره وهو عائد إلى بيته، والمهم الآن ليس موقعها منه فى ذهابه، ولا فى إيابه، وإنما موقعها على أجندة قراره بعد أن رآها بعينيه!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جريمة على يمين «محلب» جريمة على يمين «محلب»



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt