توقيت القاهرة المحلي 15:49:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قمع على الهوية

  مصر اليوم -

قمع على الهوية

فهمي هويدي

إذا ما صارت اللحية أو النقاب سببا للاشتباه ومصدرا للشك والاتهام، فإننا نصبح على بعد خطوة واحدة من الإسلاموفوبيا. وهى الحالة التى فى ظلها تعد بعض مظاهر التدين عند المسلمين خطرا يبعث على الخوف ويهدد الأمن، وهو ما يرشح مصر للانضمام إلى دول القمع والقهر على الهوية. صحيح أن ذلك المنطوق لا يخلو من مبالغة وغلو، إلا أننى لم أستطع أن أكتمه بعد الذى قرأته فى صحف الخميس الماضى ١٠/١٢ واعبرته مقدمة لهذا الذى ذكرت. فقد وقعت فى صحيفتى «الوطن» و«المصرى اليوم» الصادرتين يومذاك على خبر مفاده أن وزارة التربية والتعليم أصدرت تعليمات مشددة إلى جميع مديريات التعليم بضرورة حصر أسماء المعلمين الملتحين، والمعلمات المنتقبات، بحيث يحدد اسم كل منهم ورقمه القومى ومحل إقامته إلى جانب طبيعة العمل الذى يؤديه. «للتحرى عنهم أمنيا من جانب أجهزة وزارة الداخلية واستبعاد المتشددين منهم»، حسبما ذكرت جريدة «الوطن» التى نقلت عن مسئول بالإدارة المركزية للأمن بالتعليم قوله إن وزير التربية والتعليم أصدر تعليمات «واضحة وصريحة» باستبعاد أى من المعلمين، والمعلمات التى يثبت تورطهم فى نشر أفكار متطرفة خلال عملهم. باستبعادهم عن تدريس مناهج الوزارات. (لاحظ أن الخبر أشار فى بدايته إلى استبعاد المتشددين، وفى موضع آخر تحدث عن استبعاد من يثبت تورطهم فى نشر أفكار متطرفة خلال عملهم).

جريدة «المصرى اليوم» أكدت الخبر وأضافت فى التفاصيل أمرين. الأول كان تبريرا ساذجا ومضحكا نقل عن مدير إدارة الأمن بمديرية التعليم بمحافظة القليوبية قوله إن الإحصاء الذى يجرى فى هذا الصدد «عادى» والهدف منه استكمال قاعدة البيانات، ولا يخص السياسة (!) ـ الأمر الثانى أن المسئول الأمنى ذكر أن تحويل أمثال هؤلاء المعلمين أو المعلمات بعيدا عن التدريس ونقلهم إلى أعمال إدارية تم فى محافظات الجيزة والشرقية والقليوبية، بعدما أثبتت التحريات الأمنية أنهم ينتمون إلى جماعات متطرفة.

اعترف بأننى لم أصدق الخبر حين قرأته لأول مرة، فأعدت قراءته مرة ثانية ثم طابقته على ما نشر فى هذه الصحيفة وتلك، ولم أصدق مضمونه إلا حين وجدت الكلام منسوبا إلى مسئولين فى وزارة التربية والتعليم، الأمر الذى دفعنى إلى ترجيح صحته. وهو ما يسوغ لى إيراد عدة ملاحظات هى:

* إننا لم نلحظ همَّة ولا نشاطا يذكر لوزير التربية والتعليم فى مجال النهوض بالتعليم أو رفع كفاءة المدرسين أو توفير احتياجات المدارس. وبدا من الواضح أن الجهد الأمنى فى الوزارة بات متقدما على الجهد التعليمى. ووجود إدارة مركزية للأمن داخل الوزارة من القرائن الدالة على ذلك.

* إن هذا الاتجاه يعنى أن تقييم المدرسين، والمدرسات لم يعد يقاس بكفاءة كل منهم وتفوقه فى عمله، ولكن الاعتبار الأهم بات موجها حول مظهره وزيه (اللحية والنقاب)، الأمر الذى يعيد إلى الأذهان فكرة «القمع على الهوية».

* إنه ربما كان مفهوما أن تتخذ الإجراءات بحق النشطاء المنتسبين إلى الإخوان بسبب الصراع السياسى القائم، لكن الحاصل أن الدائرة اتسعت بمضى الوقت بحيث شملت بقية المنتسبين إلى الجماعات الإسلامية، وبهذا التطور الأخير فإن إجراءات الإبعاد والإقصاء استهدفت جميع المتدينين الذين يطلقون لحاهم أو اللاتى ينتقبن اقتناعا بآراء موجودة فى بعض مجتمعات المسلمين.

* إن هذا الإجراء حتى إذا اقتنعنا بالحاجة إليه يعبر عن درجة ملفتة للنظر من الكسل الأمنى. إذ بدلا من البدء بملاحظة الأفراد ومراقبة المشكوك فيهم أو التثبت من تورطهم فى نشر الأفكار المتطرفة، فإن الجهاز الأمنى أصبح يستسهل إقصاء كل ملتحٍ أو منتقبة بلا استثناء، أخذا بالأحوط!

* إذا اعتبرت اللحية أو النقاب مصدرا للشك والاشتباه فلا نعرف متى يمكن أن تتسع الهستيريا لتشمل «الزبيبة» على الجبهة أو الحجاب، الأمر الذى يفتح الباب واسعا للادعاء وتوسيع دائرة الاتهام بحيث تشمل كل من ظهرت عليه علامات التدين فى وظائف الدولة الأخرى.

* حين يتزامن ذلك الإجراء مع حالة العداء للإسلام التى تروج لها الاتجاهات اليمينية فى أوروبا والولايات المتحدة فإنه يعد عنصرا مشجعا لممارساتهم التى باتت تحارب المساجد، وتلاحق المحجبات فى الشوارع وتعاقب المنتقبات. إذ من حق هؤلاء أن يستشهدوا بما يحدث فى مصر لتبرير تلك الممارسات. وسيكونون معذورين فى ذلك لا ريب.

* ثم ألا يفتح ذلك الباب للحساسية والتندر، حين يقال إن المدرسين المسلمين وحدهم المحظور عليهم إطلاق لحاهم. حتى إذا كانوا يقومون بتدريس اللغة العربية والدين، فى حين أن القسس العاملين فى المدارس التابعة للكنائس وحدهم الذين يباح لهم ذلك؟
ليست المشكلة فى اللحية والنقاب لأن ماهو أهم وأخطر من الاثنين هو تغول العقلية الأمنية وتحويل أجهزة الدولة إلى أذرع للمؤسسة الأمنية، ناهيك عن أنها باتت تلجأ إلى إجراءات بطش غير مبررة وتتعامل مع القضايا الشائكة بنهج يفتقد إلى المهارة والرصانة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قمع على الهوية قمع على الهوية



GMT 09:24 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

أحمد عاطف ركب «التوكتوك» إلى مهرجان «كان»!

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عادل إمام سفير الحرافيش إلى القمة

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لا سعادة بلا حرية!

GMT 09:18 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الريس حنفي الإبستيني!

GMT 09:16 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صفقة الربع ساعة

GMT 09:14 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عمدة باريس

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لحظات حرجة

GMT 09:09 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الخديعة الكبرى

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم
  مصر اليوم - إطلالات أنيقة للنجمات خلال الحمل في شهر المرأة

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:34 2025 الثلاثاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

غاري نيفيل يتوقع استمرار محمد صلاح في الملاعب حتى سن 52 عاماً

GMT 21:20 2019 الخميس ,25 تموز / يوليو

سموحة يتعاقد مع الليبي محمد الترهوني

GMT 06:07 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

دراسة تشدد على أهمية قراءة القصص للأطفال

GMT 08:50 2024 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

موجة إصابات جديدة تضرب عدداً من لاعبي فريق الاتحاد

GMT 09:30 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt