توقيت القاهرة المحلي 06:32:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بريطانيا... نساء بيدينغتون في مواجهة المهاجرين

  مصر اليوم -

بريطانيا نساء بيدينغتون في مواجهة المهاجرين

بقلم: عادل درويش

حدث هذا الأسبوع يصلح لإلهام صُنّاع فيلم «جواز سفر إلى بيمليكو» (1949) بإنتاج فيلم تكميلي؛ فحي بيمليكو على مرمى حجر من وستمنستر، يتخذ فيه برلمانيون مسكنهم اللندني.

في فيلم 1949 يكشف الحفر عن قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وثائقَ قديمةً تثبت تبعية بيمليكو لدوق بورغندي.

فسكان قرية بيدينغتون (مقاطعة «أوكسفوردشير»)، وعددهم 350 نسمة، لم يبحثوا عن قنبلة من الحرب أو وثائق تربطهم بدوق بورغندي؛ أجروا استفتاء وصوّتوا بأغلبية ساحقة للانفصال عن المملكة المتحدة معلنين «إمارة بيدينغتون». بالطبع لا تأثير دستوريّاً للاستفتاء ولن تختفي بيدينغتون من خريطة أوكسفوردشير. العبث هو بيت القصيد.

ما أشعل «ثورة البيدينغتونيين» كان عزم وزارة الداخلية إيواء 1256 شاباً أعزب (أربعة أضعاف سكان القرية) من مهاجري القوارب الصغيرة في ثكنات عسكرية قديمة تجاور القرية؛ فالحكومة تريد إنهاء الإقامة المكلفة لمهاجري القوارب في الفنادق، ولا بد من إيوائهم في مكان ما أثناء النظر في طلبات لجوئهم. وقد تبدو الثكنات العسكرية على الخريطة المعلقة في وزارة الداخلية حلاً عملياً.

لكن الصورة مختلفة في بيدينغتون.

الإشكالية أكبر من الجدل حول الهجرة. ففي بريطانيا تحتاج المشروعات، وتخطيط الأحياء السكانية، إلى دراسات واستشارات المتأثرين بها. لكن مجلس مقاطعة شيرويل، الذي تتبعه القرية، لم تستشره وزارة الداخلية، واكتشف الأمر من الصحافة قبل الإعلان بقليل.

أما نساء بيدينغتون فيتمردن داخل الثورة.

بعثت نساء القرية، وعددهن 180 سيدة وفتاة، رسالةً مفتوحةً إلى نائبات البرلمان، مرفقة بشريط مصوّر، والتحق بعضهن بدروس للدفاع عن النفس؛ إذ يخشين أكثر من ألف ومائتي رجل أعزب، من ثقافات مختلفة، أي ما يقارب سبعة رجال وافدين مقابل كل امرأة من نساء القرية.

ورغم تأكيد وزارة الداخلية أنها تأخذ «أمن المجتمع وسلامته» في الاعتبار، يصعب على الحكومة فرض تغيير ديموغرافي بهذا الحجم، ثم تستغرب من غضب أهل القرية الذين لم يستشرهم أحد. ورد البريطانيين على البيروقراطية بالعبث الساخر تقليدٌ قديمٌ.

فالسخرية في عام 1949 كانت اكتشاف سكان بيمليكو أنهم من رعايا بورغندي، فيعلنون استقلالهم للتحرر من قيود وبيروقراطية حكومة كليمنت أتلي العمالية الاشتراكية. والكوميديا السينمائية تنبأت بالواقع.

ففي 1977، عندما خططت بلدية لندن الكبرى لهدم منازل شارع فريستون، احتل المنازل متمردون واخترعوا بلداً (جمهورية فريستونيا الحرة المستقلة). أجروا استفتاء، وعيّنوا وزراء، وسعوا، بكل جدية ساخرة، إلى اعتراف دولي.

وعبرت كوميديا ساخرة في المسرح البديل في الستينات والسبعينات عن حركة احتلال البيوت القديمة بمعمارها البديع لحمايتها من جرافات البلدية؛ وظهر على ألواح الصاج المحيطة بالبيوت «إذا أفلت من قنابل الحرب العالمية الثانية فلن تفلت من بلدية لندن».

وهناك سابقة مصرية قبل بيمليكو، وبيدينغتون.

أثناء ثورة 1919 والمطالبة برفع الحماية البريطانية، أعلنت بلدة زفتى في الدلتا نفسها جمهورية مستقلة. وأنشأ السكان مجلساً للحكم برئاسة المحامي يوسف الجندي، ولجاناً للأمن والتموين، وأصدروا صحيفة باسم «جمهورية زفتى». أدرك الزفتاويون قيمة الحركة التي تجذب انتباه العالم، إذ نشرت الصحف اللندنية أخبار الجمهورية الصغيرة. وبعد أكثر من قرن، تذكرنا بيدينغتون بزفتي.

الاحتجاجات عادة تحفظ في ملفات، بعد تلقي المحتجين رداً مهذباً، إذا وصل الالتماس حقيبة الوزير الحمراء.

أما إذا أعلنت الاستقلال، فتصل كاميرات التلفزيون.

وقبل رفع البرلمان جلساته لموسم مؤتمرات الأحزاب، دارت الهمسات في «قرية وستمنستر»، فوايتهول (دواوين الحكومة) تخشى أن تصبح قرية بيدينغتون نموذجاً لثورة ريفية أوسع.

فقد بدأت قرى وتجمعات أخرى تسأل: كيف فعل أهل بيدينغتون ذلك؟ ونشرت القرية بالفعل «خريطة طريق» تشرح للآخرين كيف ينظمون حملتهم واستفتاءهم الرمزي.

قد تكون «إمارة بيدينغتون» خيالية، لكن السابقة السياسية أمر آخر.

فلا تستطيع قرية الانفصال قانونياً عن المملكة المتحدة، لكنها تستطيع إحراج الحكومة. ولا تعني الديمقراطية أن لكل قرية حق النقض على سياسة قومية، كما لا ينبغي أن تصبح الضرورة القومية عذراً لتجاوز الاستشارة المحلية.

وقد يمضي مشروع مركز المهاجرين في النهاية. وقد يكتشف البيدينغتيون، مثل «يورغنديي بيمليكو»، أن الاستقلال يخلق مشكلات أكثر مما يحل. لكن وايتهول قد تكتشف أن أنجح احتجاج هو أحياناً ذلك الذي يبدو أكثر عبثاً من أن يمكن تجاهله. لكن إذا تمددت بيدينغتون، قد تواجه صحافيي وستمنستر مشكلة عندما يغادرون «قرية وستمنستر» لتغطية أخبار القرى المستقلة هل تكفي البطاقة البرلمانية... أم يحتاجون إلى تأشيرة دخول؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريطانيا نساء بيدينغتون في مواجهة المهاجرين بريطانيا نساء بيدينغتون في مواجهة المهاجرين



GMT 05:47 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

هل انتهت الأمم المتحدة؟

GMT 05:46 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

العراق في الواجهة مجددا!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

السِتّ تنتصر والمأمون يتساءل!

GMT 05:38 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

لماذا ترتبط السمنة بالإنسان الحديث؟

GMT 05:36 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

لا تتحكموا في أذواق الناس

GMT 05:33 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

باب المندب وما حوله.. الحسابات الحرجة!

GMT 05:31 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

الشرع.. التمنيات وحدها لا تغير الواقع

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:23 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

سلك مزود بمستشعرات يحدد نوع السكتة الدماغية
  مصر اليوم - سلك مزود بمستشعرات يحدد نوع السكتة الدماغية

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt