توقيت القاهرة المحلي 23:30:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قمع على الهوية

  مصر اليوم -

قمع على الهوية

فهمي هويدي

إذا ما صارت اللحية أو النقاب سببا للاشتباه ومصدرا للشك والاتهام، فإننا نصبح على بعد خطوة واحدة من الإسلاموفوبيا. وهى الحالة التى فى ظلها تعد بعض مظاهر التدين عند المسلمين خطرا يبعث على الخوف ويهدد الأمن، وهو ما يرشح مصر للانضمام إلى دول القمع والقهر على الهوية. صحيح أن ذلك المنطوق لا يخلو من مبالغة وغلو، إلا أننى لم أستطع أن أكتمه بعد الذى قرأته فى صحف الخميس الماضى ١٠/١٢ واعبرته مقدمة لهذا الذى ذكرت. فقد وقعت فى صحيفتى «الوطن» و«المصرى اليوم» الصادرتين يومذاك على خبر مفاده أن وزارة التربية والتعليم أصدرت تعليمات مشددة إلى جميع مديريات التعليم بضرورة حصر أسماء المعلمين الملتحين، والمعلمات المنتقبات، بحيث يحدد اسم كل منهم ورقمه القومى ومحل إقامته إلى جانب طبيعة العمل الذى يؤديه. «للتحرى عنهم أمنيا من جانب أجهزة وزارة الداخلية واستبعاد المتشددين منهم»، حسبما ذكرت جريدة «الوطن» التى نقلت عن مسئول بالإدارة المركزية للأمن بالتعليم قوله إن وزير التربية والتعليم أصدر تعليمات «واضحة وصريحة» باستبعاد أى من المعلمين، والمعلمات التى يثبت تورطهم فى نشر أفكار متطرفة خلال عملهم. باستبعادهم عن تدريس مناهج الوزارات. (لاحظ أن الخبر أشار فى بدايته إلى استبعاد المتشددين، وفى موضع آخر تحدث عن استبعاد من يثبت تورطهم فى نشر أفكار متطرفة خلال عملهم).

جريدة «المصرى اليوم» أكدت الخبر وأضافت فى التفاصيل أمرين. الأول كان تبريرا ساذجا ومضحكا نقل عن مدير إدارة الأمن بمديرية التعليم بمحافظة القليوبية قوله إن الإحصاء الذى يجرى فى هذا الصدد «عادى» والهدف منه استكمال قاعدة البيانات، ولا يخص السياسة (!) ـ الأمر الثانى أن المسئول الأمنى ذكر أن تحويل أمثال هؤلاء المعلمين أو المعلمات بعيدا عن التدريس ونقلهم إلى أعمال إدارية تم فى محافظات الجيزة والشرقية والقليوبية، بعدما أثبتت التحريات الأمنية أنهم ينتمون إلى جماعات متطرفة.

اعترف بأننى لم أصدق الخبر حين قرأته لأول مرة، فأعدت قراءته مرة ثانية ثم طابقته على ما نشر فى هذه الصحيفة وتلك، ولم أصدق مضمونه إلا حين وجدت الكلام منسوبا إلى مسئولين فى وزارة التربية والتعليم، الأمر الذى دفعنى إلى ترجيح صحته. وهو ما يسوغ لى إيراد عدة ملاحظات هى:

* إننا لم نلحظ همَّة ولا نشاطا يذكر لوزير التربية والتعليم فى مجال النهوض بالتعليم أو رفع كفاءة المدرسين أو توفير احتياجات المدارس. وبدا من الواضح أن الجهد الأمنى فى الوزارة بات متقدما على الجهد التعليمى. ووجود إدارة مركزية للأمن داخل الوزارة من القرائن الدالة على ذلك.

* إن هذا الاتجاه يعنى أن تقييم المدرسين، والمدرسات لم يعد يقاس بكفاءة كل منهم وتفوقه فى عمله، ولكن الاعتبار الأهم بات موجها حول مظهره وزيه (اللحية والنقاب)، الأمر الذى يعيد إلى الأذهان فكرة «القمع على الهوية».

* إنه ربما كان مفهوما أن تتخذ الإجراءات بحق النشطاء المنتسبين إلى الإخوان بسبب الصراع السياسى القائم، لكن الحاصل أن الدائرة اتسعت بمضى الوقت بحيث شملت بقية المنتسبين إلى الجماعات الإسلامية، وبهذا التطور الأخير فإن إجراءات الإبعاد والإقصاء استهدفت جميع المتدينين الذين يطلقون لحاهم أو اللاتى ينتقبن اقتناعا بآراء موجودة فى بعض مجتمعات المسلمين.

* إن هذا الإجراء حتى إذا اقتنعنا بالحاجة إليه يعبر عن درجة ملفتة للنظر من الكسل الأمنى. إذ بدلا من البدء بملاحظة الأفراد ومراقبة المشكوك فيهم أو التثبت من تورطهم فى نشر الأفكار المتطرفة، فإن الجهاز الأمنى أصبح يستسهل إقصاء كل ملتحٍ أو منتقبة بلا استثناء، أخذا بالأحوط!

* إذا اعتبرت اللحية أو النقاب مصدرا للشك والاشتباه فلا نعرف متى يمكن أن تتسع الهستيريا لتشمل «الزبيبة» على الجبهة أو الحجاب، الأمر الذى يفتح الباب واسعا للادعاء وتوسيع دائرة الاتهام بحيث تشمل كل من ظهرت عليه علامات التدين فى وظائف الدولة الأخرى.

* حين يتزامن ذلك الإجراء مع حالة العداء للإسلام التى تروج لها الاتجاهات اليمينية فى أوروبا والولايات المتحدة فإنه يعد عنصرا مشجعا لممارساتهم التى باتت تحارب المساجد، وتلاحق المحجبات فى الشوارع وتعاقب المنتقبات. إذ من حق هؤلاء أن يستشهدوا بما يحدث فى مصر لتبرير تلك الممارسات. وسيكونون معذورين فى ذلك لا ريب.

* ثم ألا يفتح ذلك الباب للحساسية والتندر، حين يقال إن المدرسين المسلمين وحدهم المحظور عليهم إطلاق لحاهم. حتى إذا كانوا يقومون بتدريس اللغة العربية والدين، فى حين أن القسس العاملين فى المدارس التابعة للكنائس وحدهم الذين يباح لهم ذلك؟
ليست المشكلة فى اللحية والنقاب لأن ماهو أهم وأخطر من الاثنين هو تغول العقلية الأمنية وتحويل أجهزة الدولة إلى أذرع للمؤسسة الأمنية، ناهيك عن أنها باتت تلجأ إلى إجراءات بطش غير مبررة وتتعامل مع القضايا الشائكة بنهج يفتقد إلى المهارة والرصانة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قمع على الهوية قمع على الهوية



GMT 06:38 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الانكشاف اللبنانى.. الأسئلة المتفجرة!

GMT 06:31 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

أسباب غريبة للسعادة فى فيينا!

GMT 06:06 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

إنقاذ مشروع قومى!

GMT 06:04 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل يتغير ميزان الخوف فى المنطقة؟

GMT 06:03 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

مؤسسات دولية بنكهة إبستينية!

GMT 06:01 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 05:58 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 05:56 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

حين تغيب الحقيقة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt