توقيت القاهرة المحلي 18:22:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

21 جراماً

  مصر اليوم -

21 جراماً

أسامة غريب

كان لى صديق من العلماء الأفذاذ، وقد حدث أن أطلعنى ذات يوم على بعض اختراعاته، فأذهلنى برؤيته غير المسبوقة وقدرته على ابتكار تكنولوجيا منخفضة التكاليف فى مجال توليد الطاقة من الرياح ومن الشمس. أصيب هذا الصديق بمرض السرطان ورحل عن دنيانا، يوم قمنا بتشييعه إلى مثواه الأخير وجدتنى لا أستطيع دفعاً للأسئلة التى تصارعت فى عقلى عن الأفكار التى طوى عليها مخه ولم ينفذها.. ما مصيرها وأين ذهبت؟ هل رافقته إلى القبر أم انتقلت بالموت إلى جمجمة أخرى تستطيع حملها والتعامل معها؟ وإذا كانت قد انتقلت فكيف حدث ذلك؟ وهل تعرّض بعضها للتلف أثناء النقل؟ وصاحِب الجمجمة الجديدة من يكون، وهل هو هنا أم فى بلد آخر؟.. كل هذه الأسئلة غير المعقولة دارت فى رأسى وأنا أشيع صديقى إلى قبره، وشعرت حينئذ بالحسرة بعد أن رجّحت أن الأفكار التى يحتويها الدماغ تموت بموت صاحبه، ولا يمكن الحصول عليها بعد وفاته.. وربما لهذا السبب تحرص الدول المتعادية على اغتيال العلماء فى صفوف بعضها البعض لتقطع خيط الأفكار وتقف به عند مراحل يمكن التعامل معها قبل أن يستفحل الخطر. لكنى مع ذلك تمنيت لو أن الإبداع الذى يمتلئ به رأس العالم أو الأديب يكون مما يمكن استخلاصه بطريقة ما بعد الوفاة، ذلك أن تفكيرى القاصر صعب عليه استيعاب مسألة ضياع الأفكار التى توصل إليها أحد العقول لمجرد أن صاحب العقل قد صدمته سيارة طائشة مثلاً! وكثيراً ما أسرح فى مغزى حياة عبقرى الموسيقى سيد درويش الذى عاش 31 سنة فقط، وأفكر فيما كان يمكن لموسيقانا العربية أن تصير لو أنه عاش ثلاثين عاماً أُخَر؟ أو لعل المشيئة الإلهية تكون قد قضت بأن يلتقط أحد آخر ما تبخر من دماغه بعد الموت، وأكمل المسيرة الفنية بعده.. من يدرى؟.. ومثله أبوالقاسم الشابى، الشاعر الفذ الذى مات فى سن الخامسة والعشرين دون أن ينجز مشروعه الشعرى.. أين ذهب الإبداع الذى كان يملأ تجاويف مخه؟ هل أكمله شاعر آخر أم أن كل إنسان هو تجربة فريدة فى ذاته، ولا يمكن أن تطابق بصمته الإبداعية بصمة أخرى؟ وتحضرنى هنا نماذج سلوكية سعى أصحابها للاستفادة من قدرات المخلوقات بعد مماتها على نحو عجيب، فهناك من يُقبل على التهام «طاجن مخاصى»، وهو يظن أنه سيحوذ قوة جنسية خارقة بعد أن يأكل أعضاء الثور التناسلية!.. وهناك كذلك من يأكل أمخاخ الحيوانات باستمتاع كما لو أنها ستمنحه قدرات ذهنية لم تحصّلها هى ذاتها عندما كانت على قيد الحياة! وهناك النظرية العلمية الشائعة عن وزن الروح التى تقول إن الإنسان يفقد من وزنه 21 جراماً بمجرد الموت وصعود الروح إلى بارئها، وهذا الموضوع تناول رمزيته المخرج «أليخاندرو جونزاليس» فى الفيلم الأمريكى «21 جرام».. وقد قدّر البعض أن هذه الجرامات الواحده والعشرين هى وزن الروح.. فهل يمكن القول إن الإبداع لصيق بالروح، يعيش فى كنفها، ويصعد معها عند الموت إلى السماء؟ ما يحزننى هو أننى لن أعرف إجابة هذه التساؤلات لا الآن ولا بعد الموت على الأغلب! نقلاً عن جريدة " المصري اليوم "

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

21 جراماً 21 جراماً



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 13:20 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الأهلي يرفع عرضه المالي لضم دياباتي وتدعيم هجومه في يناير

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 10:47 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

فيلم دواين جونسون يُحقق إيرادات كبيرة في السوق الأجنبية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt