توقيت القاهرة المحلي 20:19:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحمتك يا رب

  مصر اليوم -

رحمتك يا رب

مصر اليوم

كنت أقود السيارة على طريق العين السخنة-القاهرة.الطريق ناعم ومرصوف بشكل جيد والخدمات متوفرة على جانبيه، وهو بالتأكيد أفضل طريق في طول مصر وعرضها، والسبب في ذلك ان الجيش هو الذي قام بتنفيذه.. ومن مزايا المشروعات المدنية التي ينفذها الجيش- الى جوارالجدية والالتزام- أنه لا عمولات ولا سرقات ولا تفتيح مخ!. هذا ما كنت أفكر فيه وأنا جالس الى عجلة القيادة في طريق العودة بعد قضاء يومين على شاطئ البحر.أمامي كانت تسير من أول الطريق سيارة حرصتُ على ترك مسافة كافية بيني وبينها.. و من الواضح ان سائقها كان ملتزماً مثلي بالسرعة القصوى فلم يسبقني ويختفي، وانما ظل أمامي مباشرة لما يقرب من نصف ساعة. ومع ذلك فان الأمر كله حدث في ثوان معدودة.. بدون سابق انذار رأيت السيارة التي أمامي تترنح على الطريق وتميل تارة لليمين وتارة لليسار.. قمت بتخفيف سرعتي تلقائياً وأنا أقول يا رب استر.. و رأيت السيارة تجنح نحو الرمال ثم تنقلب مرة واثنتين وثلاثاً قبل ان تستقر على عجلاتها الأربع من جديد بعد ان أثارت عاصفة كثيفة من الغبار.أربكتني الصدمة، غير أنني توقفت بالسيارة الى يمين الطريق وهرعت الى السيارة المنكوبة لأجدها قد تحطمت وانبعجت ولفظت ركابها خارجها فتمددوا على الأرض يئنون وينتحبون.. من الواضح أنها عائلة تضم ثلاثة أجيال.. الجدة والأم وولدين وبنتاً.كان الذهول بادياً على وجوههم وأخذ بعضهم يصرخ ويلطم الخدود على الرغم من أنهم بفضل الله قد نجوا جميعا.رحت أتفقدهم وأطمئن عليهم فرداً فرداً قبل ان أقوم بطلب الاسعاف.في تلك الأثناء توقفت سيارات عديدة نزل الناس منها لتقديم يد العون والمساعدة ورحنا جميعا نهدئ من روع الأسرة التي كتب الله لها السلامة باستثناء الجدة التي أصيبت في ذراعها اصابة بليغة.من الواضح ان أفراد الأسرة على الرغم من سلامتهم اجمالاً الا أنهم كانوا في حالة نفسية بالغة السوء بدليل ان البنت التي لا يتعدى عمرها أربعة عشر عاماً قامت بالاتصال بوالدها وسمعتها وهي تصرخ في هستيريا قائلة: الحقنا يا بابا نحن نموت.. السيارة انقلبت بنا ونحن نموت!.حاولت ان آخذ التليفون منها لأطمئن والدها المسكين أنهم بخير لكنها أغلقت الخط وأكملت مسلسل الصرخات الهستيرية. بعد ان ركبت سيارتي واستأنفت الرحلة قمت باستعادة السيناريو الكابوسي الذي كنت شاهداً عليه من أوله واكتشفت ان أفظع مشاهده وأشدها هولاً على نفسي ليس انقلاب السيارة ولا تحطمها وليس اصابة الجدة ولا صدمة وذهول أفراد العائلة، وانما الأب البائس الذي تلقى مكالمة من ابنته تصف له مكان الحادث وتقول له انها وأخواتها وأمها وجدتها يحتضرون!.. هذا هو الهول بعينه.ان هذه الابنة لا تعلم ماذا فعلت بأبيها.. لقد كنت أرتجف وأنا على الطريق بينما أتخيل الأب الذي أنجب وربى وسهر وتعب وكدح وشقي من أجل هذه العائلة ثم اذا به يتلقى مكالمة استغاثة من الابنة التي زعمت أنها تصارع الموت مع بقية أفراد الأسرة!.انني شخصياً تختل تركيبتي الكيميائية بشدة اذا ما تأخر أحد أبنائي أو اذا طلبته في المحمول وكان مغلقاً، وأظل أقاوم الانهيار حتى يعود أو يرد على التليفون.. فما بالكم بهذا الرجل الذي روعته المكالمة الغبية.اني أتصور هذا الرجل وهو يخر على الأرض بعد ان عجزت قدماه عن حمله.. رباه ماذا فعلت هذه الابنة وكيف استطاعت ان تسبب لأبيها كل هذا العذاب بينما هي والباقون قد خرجوا من الحادثة بسلام؟.. بل كيف طاوعني قلبي ان أنصرف قبل ان أتمكن من أخذ رقم تليفون الرجل لأشرح له حقيقة الموقف وأطمئنه ان جميع أفراد أسرته بخير.. لقد حاولتُ لكن الفتاة المنهارة لم تسمح لي بذلك. كل ما أرجوه من الله الآن ان يكون الأب قد عرف حقيقة الموقف قبل ان يقود سيارته ويندفع على الطريق لاغاثة فلذات كبده.. رحمتك يا رب.   نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحمتك يا رب رحمتك يا رب



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 13:20 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الأهلي يرفع عرضه المالي لضم دياباتي وتدعيم هجومه في يناير

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 10:47 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

فيلم دواين جونسون يُحقق إيرادات كبيرة في السوق الأجنبية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt