توقيت القاهرة المحلي 22:17:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهجوم على خالد بن الوليد

  مصر اليوم -

الهجوم على خالد بن الوليد

بقلم : ممدوح المهيني

في كل مرة تُطرح فيها فكرة مسلسل عن شخصية من تاريخنا الإسلامي والعربي يُثار حولها الجدل. والشيء ذاته يحدث الآن في الحديث عن شخصية خالد بن الوليد. شخصية عظيمة وسيرة ثرية مملوءة بالأحداث، مناسبة لطبيعة العمل الدرامي.

أحد نقَّاد شخصية خالد بن الوليد يقول: لماذا تُبجَّل شخصية قادمة من الجزيرة العربية؟ وكيف أنه طلب من الشعراء مدحه ونسج قصص مزيفة عن بطولاته، وأنه استغل خبرات غير العرب لينتصر في معاركه! طرح متطرف؛ أي شخصية كبيرة في التاريخ لا تُحدَّد بمكان جغرافي، ولا بِدِين، ولا بِعِرق. العظماء من كل دين وعرق وجغرافيا وثقافة.

خالد بن الوليد شخصية إنسانية كبيرة يستحق أن تُروى حكايتها للتاريخ. والاعتماد على خبرات شعوب أخرى ليس بعيب؛ بل ميزة. التعلُّم والاستفادة من الشعوب الأخرى والاعتراف بخبراتهم دليل فطنة وذكاء وليس بعيب.

معاوية بن أبي سفيان استفاد من الخبرات في بلاد الشام، وأسس دولة كانت بحاجة إلى مؤسسة بيروقراطية لم تكن موجودة في الجزيرة العربية.

النقطة الأخرى: إن هذه الشخصيات الكبيرة في تاريخنا هي أيضاً مهمة للتراث الإنساني، وليس فقط للتراث العربي والإسلامي، ويجب أن تُفهم في هذا السياق، وإلا سيتم التقليل من قيمتها والحد من دورها. شخصيات استطاعت أن تُسهم في بناء دول وإمبراطوريات مترامية الأطراف، وأسهمت في بناء حضارات، وقادت جيوشاً، ومرت بمِحَن وصراعات. من الظلم أن يتقلص دورها ويُوضَع في زاوية معتمة من التراث.

وفي كل مرة تُطرح شخصية بهذا الحجم تُثار أسئلة كثيرة. سأحاول أن أجيب عن بعضها.

السؤال الأول: لماذا تُطرح شخصيات من التاريخ القديم؟

وهذا سؤال يُطرح من جهتين: جهة تقول إنه يجب ألا نخوض في الماضي بسبب الحساسيات الدينية والطائفية، وجهة أخرى تقول: ما الفائدة من طرح هذه الشخصيات التاريخية القديمة؟ وما أهميتها؟

قد يكون الطرح الأول منطقياً ومقبولاً إذا قُدِّم العمل الدرامي لتأجيج العصبيات وشحن المجتمعات. وهناك أعمال درامية رديئة استخدمت هذه الشخصيات التاريخية، ووظفتها لرفع درجة الغليان الديني والطائفي. ولكن ما تطرحه الأعمال المهمة لهذه الشخصيات في تاريخنا هو بهدف آخر مختلف، وهو تناولها بصورة أوسع وأكبر: دورها التاريخي، والعقبات التي واجهتها، وتركيبتها النفسية والعاطفية، وتأثيرها على عصرها، وكيف لعبت دوراً كبيراً في بناء دولة توسعت حتى تحولت إلى إمبراطورية. عدم طرحها لأي حجة هو خسارة للجميع. سيُقزِّم هذه الشخصيات ويجعلها أداة للتناحر الطائفي، ولن يكشف عن البعد الأكبر لها، وهي في النهاية فوق الحروب الصغيرة. من المهم أن تُطرَح بكل جوانبها لأنها في النهاية شخصيات بشرية وليست ملائكة. طرحها بشكل تقديسي يحوِّلها إلى شخصيات خشبية غير مقنِعة، ولن تؤثر في المشاهدين. حتى أكبر الشخصيات في التاريخ لها عيوبها ونقائصها، وهذا لا يقلل منها؛ بل على العكس.

الجهة الأخرى تقول: لماذا تُطرح هذه الشخصيات في عالم مختلف تماماً، عالم التقنيات والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية؟ يقولون: لماذا نغوص في الماضي السحيق؟

هناك أكثر من إشكالية في هذا الطرح. الأولى أن طرح شخصيات من التاريخ لا يتعارض مع التقدم والتطور. السينما الأميركية -على سبيل المثال- تقدم على الدوام شخصيات من التاريخ الأميركي والأوروبي، ورفوف المكتبات مملوءة بأغلفة مطبوعة عليها صور ملوك وأباطرة وبابوات من القرون الوسطى. بل على العكس؛ كلما زاد تقدم المجتمعات زاد وعيها بتاريخها، ولكن ليس بصورة ضيقة؛ بل بصورة أكثر سعة وعمقاً، وليس بطريقة دعائية فجة. لنتذكر أن هناك أكثر من 300 فيلم أُنتج عن الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، أُنتجت في استوديوهات لا تبعد كثيراً عن السيليكون فالي.

الإشكالية الأخرى في هذا الطرح المتعالي، هي أن عدم طرح هذه الشخصيات بطريقة عميقة سيجعلها رهينة في يد الشخصيات المتطرفة التي تُقزِّم قيمتها وتوظفها في صراعاتها.

الإشكالية الثالثة هي أن التاريخ يلعب دوراً مهماً في تشكيل وعي الناس، ويشكِّل جزءاً من هويتهم، ولهذا السبب نرى اهتمام الناس بالشخصيات التاريخية والمسلسلات التي تقدمها؛ لأنها تمثل قيمة كبرى لديهم. تجاهلهم يعني أن هناك من سيوظفهم لأهدافه الخاصة.

القضية الأخرى هي التعاطي من كل الأطراف المتناحرة مع هذه الشخصيات أو المسلسلات، من خلال عقلية الصراع والصدام وليس فهم التاريخ والاستفادة منه. ورغم خطورة هذه المسألة فإنها نتاج ثقافة طويلة ساهمت في مثل هذا الشحن، واستخدمت الشخصيات التاريخية في صراعاتها وآيديولوجياتها. إصلاح هذه الثقافة ودفعها أكثر نحو الاعتدال والتسامح يحتاج إلى وقت، ومن بينها طرح الأعمال الفنية التي تتناول هذه الشخصيات الكبيرة في تاريخنا بروح إنسانية.

الخلفاء الراشدون وشخصيات كبيرة أخرى في تاريخنا لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي والإنساني، وهي فوق التصنيفات والطوائف، وتجب رؤيتها بصورة أوسع من الرؤية الضيقة المحدودة ودمجها في الحضارة المعاصرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهجوم على خالد بن الوليد الهجوم على خالد بن الوليد



GMT 09:37 2026 السبت ,09 أيار / مايو

علمني غونثر واليابان

GMT 09:30 2026 السبت ,09 أيار / مايو

إيران تهرب من استحقاقات ما بعد الحرب

GMT 09:01 2026 السبت ,09 أيار / مايو

«الفتنة» العَوضية والمعضلة الطبية

GMT 08:56 2026 السبت ,09 أيار / مايو

هل نتشاءم بحذر أم نتفاءل باندفاع؟

GMT 08:52 2026 السبت ,09 أيار / مايو

شروط المسار التفاوضي للبنان وعوائقه

GMT 08:46 2026 السبت ,09 أيار / مايو

العالم بين سلامين

GMT 04:11 2026 السبت ,09 أيار / مايو

الفنان الملتزم.. هاني شاكر نموذجًا

الملكة رانيا تخطف الأنظار وتؤكد أناقتها المتجددة بالبدلات الرسمية

عمان - مصر اليوم

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 11:27 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

قرار جديد من الأهلي بشأن موسيماني

GMT 13:29 2018 الثلاثاء ,13 آذار/ مارس

النادي الاهلي ينفي التجديد لعبد الله السعيد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt