توقيت القاهرة المحلي 16:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهجوم على خالد بن الوليد

  مصر اليوم -

الهجوم على خالد بن الوليد

بقلم : ممدوح المهيني

في كل مرة تُطرح فيها فكرة مسلسل عن شخصية من تاريخنا الإسلامي والعربي يُثار حولها الجدل. والشيء ذاته يحدث الآن في الحديث عن شخصية خالد بن الوليد. شخصية عظيمة وسيرة ثرية مملوءة بالأحداث، مناسبة لطبيعة العمل الدرامي.

أحد نقَّاد شخصية خالد بن الوليد يقول: لماذا تُبجَّل شخصية قادمة من الجزيرة العربية؟ وكيف أنه طلب من الشعراء مدحه ونسج قصص مزيفة عن بطولاته، وأنه استغل خبرات غير العرب لينتصر في معاركه! طرح متطرف؛ أي شخصية كبيرة في التاريخ لا تُحدَّد بمكان جغرافي، ولا بِدِين، ولا بِعِرق. العظماء من كل دين وعرق وجغرافيا وثقافة.

خالد بن الوليد شخصية إنسانية كبيرة يستحق أن تُروى حكايتها للتاريخ. والاعتماد على خبرات شعوب أخرى ليس بعيب؛ بل ميزة. التعلُّم والاستفادة من الشعوب الأخرى والاعتراف بخبراتهم دليل فطنة وذكاء وليس بعيب.

معاوية بن أبي سفيان استفاد من الخبرات في بلاد الشام، وأسس دولة كانت بحاجة إلى مؤسسة بيروقراطية لم تكن موجودة في الجزيرة العربية.

النقطة الأخرى: إن هذه الشخصيات الكبيرة في تاريخنا هي أيضاً مهمة للتراث الإنساني، وليس فقط للتراث العربي والإسلامي، ويجب أن تُفهم في هذا السياق، وإلا سيتم التقليل من قيمتها والحد من دورها. شخصيات استطاعت أن تُسهم في بناء دول وإمبراطوريات مترامية الأطراف، وأسهمت في بناء حضارات، وقادت جيوشاً، ومرت بمِحَن وصراعات. من الظلم أن يتقلص دورها ويُوضَع في زاوية معتمة من التراث.

وفي كل مرة تُطرح شخصية بهذا الحجم تُثار أسئلة كثيرة. سأحاول أن أجيب عن بعضها.

السؤال الأول: لماذا تُطرح شخصيات من التاريخ القديم؟

وهذا سؤال يُطرح من جهتين: جهة تقول إنه يجب ألا نخوض في الماضي بسبب الحساسيات الدينية والطائفية، وجهة أخرى تقول: ما الفائدة من طرح هذه الشخصيات التاريخية القديمة؟ وما أهميتها؟

قد يكون الطرح الأول منطقياً ومقبولاً إذا قُدِّم العمل الدرامي لتأجيج العصبيات وشحن المجتمعات. وهناك أعمال درامية رديئة استخدمت هذه الشخصيات التاريخية، ووظفتها لرفع درجة الغليان الديني والطائفي. ولكن ما تطرحه الأعمال المهمة لهذه الشخصيات في تاريخنا هو بهدف آخر مختلف، وهو تناولها بصورة أوسع وأكبر: دورها التاريخي، والعقبات التي واجهتها، وتركيبتها النفسية والعاطفية، وتأثيرها على عصرها، وكيف لعبت دوراً كبيراً في بناء دولة توسعت حتى تحولت إلى إمبراطورية. عدم طرحها لأي حجة هو خسارة للجميع. سيُقزِّم هذه الشخصيات ويجعلها أداة للتناحر الطائفي، ولن يكشف عن البعد الأكبر لها، وهي في النهاية فوق الحروب الصغيرة. من المهم أن تُطرَح بكل جوانبها لأنها في النهاية شخصيات بشرية وليست ملائكة. طرحها بشكل تقديسي يحوِّلها إلى شخصيات خشبية غير مقنِعة، ولن تؤثر في المشاهدين. حتى أكبر الشخصيات في التاريخ لها عيوبها ونقائصها، وهذا لا يقلل منها؛ بل على العكس.

الجهة الأخرى تقول: لماذا تُطرح هذه الشخصيات في عالم مختلف تماماً، عالم التقنيات والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية؟ يقولون: لماذا نغوص في الماضي السحيق؟

هناك أكثر من إشكالية في هذا الطرح. الأولى أن طرح شخصيات من التاريخ لا يتعارض مع التقدم والتطور. السينما الأميركية -على سبيل المثال- تقدم على الدوام شخصيات من التاريخ الأميركي والأوروبي، ورفوف المكتبات مملوءة بأغلفة مطبوعة عليها صور ملوك وأباطرة وبابوات من القرون الوسطى. بل على العكس؛ كلما زاد تقدم المجتمعات زاد وعيها بتاريخها، ولكن ليس بصورة ضيقة؛ بل بصورة أكثر سعة وعمقاً، وليس بطريقة دعائية فجة. لنتذكر أن هناك أكثر من 300 فيلم أُنتج عن الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، أُنتجت في استوديوهات لا تبعد كثيراً عن السيليكون فالي.

الإشكالية الأخرى في هذا الطرح المتعالي، هي أن عدم طرح هذه الشخصيات بطريقة عميقة سيجعلها رهينة في يد الشخصيات المتطرفة التي تُقزِّم قيمتها وتوظفها في صراعاتها.

الإشكالية الثالثة هي أن التاريخ يلعب دوراً مهماً في تشكيل وعي الناس، ويشكِّل جزءاً من هويتهم، ولهذا السبب نرى اهتمام الناس بالشخصيات التاريخية والمسلسلات التي تقدمها؛ لأنها تمثل قيمة كبرى لديهم. تجاهلهم يعني أن هناك من سيوظفهم لأهدافه الخاصة.

القضية الأخرى هي التعاطي من كل الأطراف المتناحرة مع هذه الشخصيات أو المسلسلات، من خلال عقلية الصراع والصدام وليس فهم التاريخ والاستفادة منه. ورغم خطورة هذه المسألة فإنها نتاج ثقافة طويلة ساهمت في مثل هذا الشحن، واستخدمت الشخصيات التاريخية في صراعاتها وآيديولوجياتها. إصلاح هذه الثقافة ودفعها أكثر نحو الاعتدال والتسامح يحتاج إلى وقت، ومن بينها طرح الأعمال الفنية التي تتناول هذه الشخصيات الكبيرة في تاريخنا بروح إنسانية.

الخلفاء الراشدون وشخصيات كبيرة أخرى في تاريخنا لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي والإنساني، وهي فوق التصنيفات والطوائف، وتجب رؤيتها بصورة أوسع من الرؤية الضيقة المحدودة ودمجها في الحضارة المعاصرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهجوم على خالد بن الوليد الهجوم على خالد بن الوليد



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 14:28 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 05:22 2017 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

الأخبار السارة تسيطر على الصورة الفلكية في تشرين الثاني

GMT 09:12 2022 الجمعة ,29 إبريل / نيسان

برابوس ترفع قوة مرسيدس-مايباخ GLS 600 إلى 900 حصان

GMT 21:25 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام سليمان يبعث رسالة إلى العالم في حفلة ختام مهرجان القاهرة

GMT 20:44 2016 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

محمد شاهين في رمضان مع كبار النجوم

GMT 19:24 2017 الإثنين ,26 حزيران / يونيو

جون مكنرو يوجه رسائل إلى الصربي ديوكوفيتش

GMT 05:56 2016 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

أبرز 10 كنائس في بريطانيا تحولت إلى منازل فاخرة لإقامة مميزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt