توقيت القاهرة المحلي 07:06:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السعودية وسوريا... التاريخ والواقع

  مصر اليوم -

السعودية وسوريا التاريخ والواقع

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

 

العقلانية الفكرية والواقعية السياسية تحتمان على الكاتب أن يتحكم في مشاعره وعواطفه، في مقابل منهجه وأفكاره، وأن يُعبّر بحذرٍ عن أفراحه وأتراحه إلا من خلال المنهج والفكر، ولكن الإنسان يشهد في حياته القصيرة، بحساب التاريخ، أحداثاً استثنائية جديرة بأن ينداح في تعبيره عنها مع مشاعره، بعيداً عن محددات العقل وشروط الواقع دون إخلالٍ بهما.

نظام الأسد، نظامٌ شريرٌ بكل المقاييس، بدأه حافظ وأنهاه بشار، والشعب السوري عانى لأكثر من نصف قرنٍ من بطش هذا النظام وشروره، وتوحشه الدموي الاستثنائي، وعانى من التوافقات الدولية التي سمحت له بالاستمرار طوال هذه المدة، وزادت معاناته في عقد ونيفٍ مضيا منذ 2011، حينما اختار «بشار» أن يلتحق بالميليشيات جملةً وتفصيلاً، ويتخلّى عن توازنات «حافظ»، ويترك سوريا نهباً لكل مجرمي «الأقليات المتوحشة»، من العراق ولبنان واليمن وباكستان وغيرها. ويجب أن يخلّد السوريون تاريخ هذا النظام، مجازر وسجوناً، قتلاً وتعذيباً، صناعة للمخدرات وترويجاً، وذلك عبر متاحف في تلك المواقع، تبقى شاهداً تاريخياً على أكبر نظامٍ «مافياويّ» في العصر الحديث، وعلى مرحلة مثلت عاراً وشناراً على جبين البشرية في القرن الحادي والعشرين، وليقرأ من شاء روايات عبد الرحمن منيف عن «شرق المتوسط»، وعشرات أمثالها، ليعرف عهد «حافظ»، وليتابع التسريبات الصحافية بالوثائق والصور التي أرخت لعهد «بشار».

منذ ابتدأت سوريا تاريخها الحديث كانت رأساً في محاربة العثمانيين الجبابرة، و«الخلافة التركية» الغاشمة، وكتب الكواكبي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى»، وهرب «رشيد رضا» من سوريا لمصر، وأسس «مجلة المنار» وهرب «جمال الدين القاسمي» الفقيه المتسامح معه، وخرج «سلطان الأطرش» القائد الدرزي الباحث عن الاستقلال ضد الفرنسيين ليعلن ثورته، وخرج «فارس خوري» المسيحي لدفع الاستعمار والتفتيش العقلاني عن الوحدة.

كتاب «الصراع على السلطة في سوريا»، لنيقولاس فان دام، كتابٌ مرجعيٌ، يحتاج إليه كل باحثٍ، وقد شكّل مرجعاً للعديد من المؤلفين، ومنهم باتريك سيل في كتابه عن حافظ الأسد، وقد كتب فان دام أنه «عندما نالت سوريا استقلالها 1946 كانت دولة دون أن تكون أمةً، فكانت كياناً سياسياً دون أن تكون مجتمعاً سياسياً»، وبعد سنواتٍ ليست بالقصيرة ساد «حزب البعث»، الذي يرى مطاع صفدي أن «(البعث) في الأصل حركةٌ طائفية»، وهذه اللغة البحثية العميقة لا علاقة لها بلغة السياسة المعاصرة؛ لأنها تتجاوزها لما هو أعمق.

حقائق التاريخ ومسلمات المجتمعات لا تتغير بين عشية وضحاها، ولا تدفنها عقود «توحش الأقليات»، ولا تهددها طموحات «التوحش الأصولي». لقد كانت سوريا الشام مقر حكم الخلافة الأموية، وكان معاوية بن أبي سفيان مؤسسها، وهو خال المؤمنين، وكاتب الوحي، ومؤسس الخلافة العربية، وما تراكم قروناً من الزمن لا تلغيه عقود شاذة.

ظلّت السعودية طوال التاريخ الحديث الداعم الأكبر لسوريا، الدولة والشعب، وكان الملك المؤسس عبد العزيز يفتخر بأن «أغلب رجالي من السوريين»، وكان السوريون العظام في بلاطه متعددين، ومن وزن «يوسف ياسين» و«خير الدين الزركلي» وغيرهما، وقد عرض عليه السوريون في 1928 أن يرسل ابنه فيصل ملكاً لسوريا، ولكنه بفطنته رفض ذلك، ودعم سوريا بكل ما يمكن، وبقيت العلاقات على الدوام مميزةً واستثنائية، حتى بعد حكم «البعث» الطائفي كانت السعودية أكبر داعم، سياسياً وإنسانياً، للشعب السوري.

في اتصال للتاريخ يرصد الإعلام المساعدات السعودية تجاه سوريا إنسانياً، والتي يقودها «مركز الملك سلمان للأعمال الخيرية»، كما يرصد دعمها سياسياً، من خلال استقبال أول زيارة خارجية للإدارة الجديدة للرياض، ودعم الاستقرار السياسي في المنطقة سياسةٌ سعوديةٌ ثابتةٌ.

ظاهرة جديرة بالرصد أننا في زمن «التفاهة» وثقافة السندويتش، يهرع بعض الناس في الأحداث المعقدة إلى الكتب التي تقدم معلومات أولية عن مفردات الأحداث، أشخاصاً وجماعات وأفكاراً ومسميات، وأقل منهم مَن يلجأ إلى «غوغل» و«ويكيبيديا»، وليتهم يكتفون بالمعرفة السطحية بهدف التعلم، ولكنهم، وهو العجيب، يبادرون إلى بث هذه المعلومات البسيطة في «بودكاست» أو «وسائل التواصل الاجتماعي» على أنها نهاية إقدام العقول والمرجع الذي يحتذى.

أخيراً، فالشعب السوري هو أقوى حلفاء السعودية والدول العربية في سوريا، ولئن كانت شرور الماضي جديرة بالتذكر فإن استشراف شرور المستقبل لا يقل أهمية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية وسوريا التاريخ والواقع السعودية وسوريا التاريخ والواقع



GMT 05:38 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشيخ الأردني: أنا من ربْع عيسى يا ولدي

GMT 05:35 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

من يستعيد الإسلام من مختطفيه؟

GMT 05:33 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ريال مدريد وبرشلونة.. الموسم بدأ من هنا

GMT 05:31 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

من تيريز هلسا إلى طريقة في استنكار الجرائم الطائفيّة

GMT 05:29 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

التركيز الاستراتيجي لتسجيل الأهداف

GMT 05:27 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو خاسر رابح... وربما العكس!

GMT 05:25 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

طرابلس في مرايا العودة

GMT 05:23 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

المسيحيون العرب... شراكة حضارة ومصير

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش
  مصر اليوم - الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش

GMT 22:58 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

السعودية تدشن حزمة مشاريع إغاثية في مختلف أنحاء اليمن
  مصر اليوم - السعودية تدشن حزمة مشاريع إغاثية في مختلف أنحاء اليمن

GMT 23:09 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:59 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أفضل 10 وجهات سياحية دافئة للشتاء

GMT 14:08 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

تجدد حبس قاتلى الطفلة "فاطمة" 15 يومًا على ذمة التحقيقات

GMT 17:03 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل وصول 97 فرنسيا لمطار مرسى علم الدولي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt